
1.في كتابهما المخصص لـ’عالم الرواية’ ينبهنا رولان بورنوف وريال أوويلي (1981) إلى أن لكل رواية تركيبها الخاص، وهي تطرح على مؤلفها مشكلة خصوصية وفريدة من نوعها. وهما يزكيان هذا الرأي بما سبق لفلوبير أن سجله في إحدى مراسلاته، بأن لكل عمل(أدبي) بويطيقاه في حد ذاته، التي يتوجب العثور عليها.’( ص 55). ولنا أن نضيف إلى هذا التقويم قولنا بأن هذه الخصوصية تحديدا ما يجعل عملا ما مطلوبا، يحظى بصفة الضرورة، وبدونها يغدو فضلة من كلام لا أدبي، حين نعلم أن هناك جملة أسباب تتضافر لتوفير مقتضى النص الفني، ولتعيينه إجناسيا. لا أستطيع تحديد متى يتوفر الكاتب على هذا الوعي، ويبني عمله وفق ناموسه، لكن بوسعي التكهن بأن رغبة تحقيقه تظل لصيقة به إلى أن تتم،ويرى أنه أضحى يكتب بطرز له، وهو يرسم الخريطة التي ستصبح خريطته، بمعالمها الجغرافية، وشخصياتها المفروزة، وحوداثها الفارقة، مبأرة في رؤية أو إشكالية محددتين. من المؤكد أن هناك تفاوتا بين الكتاب، لنقل الروائيين، لبلوغ هذا المدرك، وقبل ذلك كيفية السير في نهجه، أحيانا يأتي متدرجا ومتسلسلا، كما هو الشأن عند فلوبير، وألبير كامو، مثلا، ونجيب محفوظ، وتارة أخرى، نبعا دفاقا دفعة واحدة، لننظر إلى كافكا الذي منذ روايته الأساسية ‘المسخ’(1915) بدا كأن عالمه تشيّد ورؤيته مكتملة.
2.على هذا النحو تقريبا يمضي علي المقري، الأديب العربي اليماني، بخطوات محسوبة، وواثقة أبهرت حقا، وتتواصل، منذ البداية. فنحن لا نعلم له في حقل الكتابة السردية إلا نصا واحدا: ‘طعم أسود..رائحة سوداء’(دارالساقي،2008)، وهو ُمصفّى ومنخول، ظهر صاحبه متميزا، مسيطرا على أدواته، عارفا بمهارة السرد التي يريد، وكيف يريد، ما لا يتأتى عادة إلا بعد دأب وطول مران. ويأتي اليوم عمله الجديد عن الدار نفسها بعنوان: ‘اليهودي الحالي’ لتأكيد ما يبدو كأنه استثناء، في حين أن الموهبة والاقتدار الفنيين قاعدة وأساس لكل كتابة، وهما وعد الكاتب، ورهانه لا بد منهما، وعدا ذلك نشاز، وتطفُّلٌ لا موجب له على الأدب، وكم طفح الكيل، منذ القدم، بالمتطفلين. فما الذي يحمله لنا المقري في وصله الأخير بنا، صلة بما مضى، وبما لعله ينوي المضي فيه، ما أحسبه إلا فاعل بحكم مشروع آخذ في التبلور، اليوم وغدا؟
3.لنذكّر قبل ذلك بأن سرود هذا الكاتب تشتغل كحفور في بنيات تاريخية وثقافية حضارية موغلة في القدم، فزمنها الروائي ينتسب إلى الماضي، انطلاقا من تصور يخدم القص، ويستند إلى رؤية فكرية، أكاد أقول إيديولوجية محددة، مصطبغة حكائيا وحدثيا بمسحة أنتروبولوجية ـ إناسية واضحة تنسجم مع الرؤية، ويجهر فيها الحكي ويرتسم بصورة الثقافة.
في عمله الأول انصرف المقري إلى عالم مهمّشين منبوذين، خارج أي اعتبار في المجتمع الذي يعيشون فيه، وهم في حياتهم الحقيقية رغم كل إذلالهم شكلوا نواة اجتماعية، وبؤرة إنسانية، جعلها الكاتب تتسيّد على المجتمع التوافقي السائد، المتحكم من كل النواحي، صانعا بذلك ما يسمى بالعالم الروائي الخصوصي، ومنتقلا من مستوى الحفور إلى صوغ البنية السردية ناقلة وواصفة هذا العالم أداة التخييل، من منظور مناهضة الاضطهاد والتهميش. وفي العمل المحدث الأخير نرى المبدع اليماني يتوافق مع خطه، يطرق مرة ثانية، لا نشك أنها ستليها الثالثة والرابعة، فيعمد إلى التاريخ يخوض فيه بالحفور والنبش، كمسطرة عمل روائي أولية، يأتي بعدها استخراج المادة المرصودة ليعاد تنضيدها روائيا، وهي مُنضدة تاريخيا، بإعلاء رؤية النبذ والاضطهاد والتهميش، مع إحداث نقلة حاسمة هذه المرة طالما يتعلق الأمر بالدين والأديان، ذوي الدلالة القدسية، سلفا، وبالصراع العقيدي كدلالة شكلية تخفي في طياتها اضطهاد شعب لشعب ونبذ ومحاصرة ثقافة لثقافة، وهي هنا قيم مرتبطة بحدثية معينة، المعتمدة من لدن المؤلف مرويات وقضية، وتستمر قائمة دائما في مجرى التاريخ، في الآن. يضاف إليهما المكوّن العاطفي، بوصفه عنصر حبكة تشويقية، من غير شك، وأكثر، باعتباره يصنع الشحنة الإنسانية الوجدانية تعلو وفق علائق الصراع الديني والمادي والقيمي، وها هي من حيث تؤنسنها، تضمن الضروري لكل رواية، وصمام أمانها، هالتها التخييلية، الاستعارية، مطرزة على جسد الشخصيات والأحداث، للوصول أخيرا إلى الأهم، إنتاج المعنى، وهو لعمري دقيق وخطير في هذه الرواية، ولذلك، أيضا، هي مهمة.
4.ترجع ‘اليهودي الحالي’( حالي تعني مليح، ‘أنا في عينيها [فاطمة] مليح.’(10) إلى حقبة من تاريخ اليمن في القرن السابع عشر الميلادي، يتصدى سارد، بالأحرى راو ليروي لنا قصته، في مبنى الحكاية: ‘ قررت أن أدون هذه الأخبار عن أيام فاطمة، وزمنها، حتى هذه السنة [أربع وخمسين وألف]التي تزوجت فيها حلما لننجب توأمين: أملا وفجيعة’. (ص7). الراوي والبطل في آن هو سالم النقاش، اليهودي بصفته تلك، الذي سيلتقي فاطمة تصغره بسنين في قرية ريدة، هي ابنة المفتي، التي سيتعلم على يدها العربية وقواعدها، وبالمقابل يعلمها لاحقا العبرية وتوابع منها، ومن طول العشرة سيعلق قلبها به، وهي التي تنعته وتجده الحالي، تعلم أي خطر تركب حين تتجرأ على تلقينه بعض آي القرآن على سبيل تعليم لغتها وحسب، لكن: ‘ ما فعلته فاطمة كان كمن أشعل حريقا في الحي اليهودي، مع أنها لم تعمل شيئا. علمتني القراءة والكتابة فحسب.’(13)، بل وتجرؤ أكثر حين يمنعه أهله من الاتصال بها لتقدم على مستحيل زمانها: ‘ زيارة مسلمة إلى الحي اليهودي كانت نوعا من المستحيل.’(14). تمضي العلاقة حدا بعيدا لتصبح غرامية عبر حلقات متداخلة من المعاناة الشخصية للفاعلين، وتشكيل من صراع طائفتين: المسلمين واليهود، وخصوصا مشاهد معاناة اليهود وما يلاقونه من اضطهاد على يد المسلمين، في نواحي حياتهم وعبادتهم. ويأتي الشرخ الكبير بفرار فاطمة والحالي وقد زوجته نفسها، بعيدا حيث ربما ينعمان بحبهما، ولن ينعما، فستموت وهي في الوضع، ويلتحق بها سالم الذي أسلم ولن يجديه ذلك، لتؤول القصة إلى ابنه، فحفيده بعده ـ ضرورة مواصلة وظيفة السرد ـ الذي سينقلب، في سلسلة متشابكة من العلاقات والصدف، أهم ما يطبعها تقاطع الأنساب، وثنائيتها بين مسلمة ويهودية،لأبطال فرض عليهم المجتمع والدين فوقه ضروبا من السلوك ورد الفعل، وعرّض المستضعفين اليهود فيهم، حسب المؤلف،إلى العَنَت على يد حكام اليمن، ثم التشريد والتيه.
5.شأن روايته السابقة تقدم ‘ اليهودي الحالي’ نصا سرديا مبنيا على محور التمفصل بين ذات وموضوع،عاطفة أو عقدة غرامية ونسج تاريخي حوادثي. تارة يتقاطعان، وأخرى يتوازيان، وطورا يتباعدان، إنما عموما ترى هذا يأخذ من ذاك، وهما معا لحمة الحكي وسداه. من المعلوم أن العقدة إياها أداة معتبرة في المحكي التاريخي، وأمثلتها أكثر من أن تعد. غير أن هناك فرقا أساسيا في التسويغ وطريقة الاستخدام بين ما يُقصد لذاته، وما ُيتخذ ذريعة. والحبكة عموما في أي قصة هي الذريعة بأبسط تعريف. ولذلك فنحن لا نقرأ هذه ‘ الرواية’ ونستمتع بها، بوقائعها وبيانها،لأنها تروي لنا عشق فاطمة للحالي، وتفاني هذا في حبها بعد هلاكها، كما ينبغي لكل قصة من هذا الطراز، ولكن نتوسل بها ـ الكاتب، طبعا ـ لمعاينة هذا اللقاء المحرم بين مسلمة ويهودي، كأرضية وجدانية للصراع، وفوقها للقطيعة القائمة بين المسلمين واليهود بقوة النبذ والبطش واحتقار الآخر. تحفل ‘ الرواية’ بمقاطع عديدة تمثل للبراديغمات المذكورة: ‘ نحن ا






























<!–
اليهودي الحالي لعلي المقري 



