هل برهن المسلمون على حبهم لمحمد أم على تطرفهم؟

كتبهاعلي المقري ، في 9 مارس 2006 الساعة: 05:50 ص

ردد البعض أثناء الاحتجاجات الجامحة على رسومات الفنان الدانماركي بشأن نبي الإسلام (( أن على المسلمين ألاّ يتهاونوا ليقبلوا الإساءة إلى نبيهم فهذا التهاون سيؤدي بالغرب إلى جرأة أكبر وهي التعرض إلى الله جل وعلى)).
وهذا القول ،كما يبدو،لا يعرف واقع حال الدين ،أي دين، في الغرب سواء من ناحية مستوى التدين في المجتمعات أو في مستوى ما تتعرض له الديانات من أبحاث ودراسات نقدية ،وإذا كانت علاقة المجتمعات الغربية في الدين تحولت في بعض جوانبها إلى علاقة جمالية روحية تنجذب إلى الفنون التي أبدعها معماريون وتشكيليون في إطار الثقافة المسيحية،أو مرويات الكتاب المقدس في عهديه القديم والجديد ،ويتجلى ذلك بأشكال هندسة الكنائس والأماكن الدينية ،واللوحات المدهشة للفنانين الذين استلهموا هذا التراث الثقافي كلوحات ليوناردو دافينشي وتماثيل مايكل أنجلو وموسيقى باخ.أما عدا ذلك فالعلاقة مقطوعة بين الكنائس وأفراد المجتمع باستثناء القلة منهم ، أو أولئك الذين يرتبطون بعلاقات تقليدية شكلية تقتضيها المناسبات كالتعميد والزواج.
وتتجه ثقافة المجتمع حسب التعليم الابتدائي إلى ثقافة علمانية تتأسس على احترام العقل وحده وحرية العقيدة والتفكير والتعبير.ولهذا قد لا يعرف البعض من مطلقي القول الوارد في المقدمة أن هناك الكثير من الكليات والمعاهد في الغرب تخصصت بدراسات الأديان ونقدها ،دون تفرقة بين الهندوسية والبوذية واليهودية و المسيحية والإسلام، بل أن بعض تلك الكليات والمعاهد قد تخصصت بدين محدد دون غيره ،والزائر إلى أي مكتبة شاملة أو متخصصة  هناك سيجد على رفوفها ألاف الكتب في هذا المجال.
وقد عرفت على المستوى الفكري  كتابات مثيرة يمكن أن يكون كتاب نيتشه عن (موت الله)،حسب عنوانه ، علامة على هذا التوجه ،فالله  في معظم هذه الدراسات هو المنقود سواء كان حسب الديانة اليهودية أو المسيحية   أو الإسلام أو غيرها فما بالك بالأنبياء الذين تعرضوا للتشكيك في وجودهم أصلا وقد تم قبل سنوات ترجمة كتاب إلى العربية بعنوان(المسيح حقيقة أم أسطورة) لعدد من الباحثين،.
مع هذا فالمسيحية واليهودية كمعاش جمالي هو ما يدافع عنه الغرب حاليا فلا يقبل بهدم كنيسة باعتبارها أثرا جماليا مثلها مثل لوحة دافنشي أو تمثال ميكل أنجلو .
 أما ما يردده المسلمون عن مسألة منع التعرض بالتشكيك في محرقة اليهود الهيلوكست  فهذه مسألة سياسية خلقتها ظروف عابرة مؤثرة يكفر فيها الأوروبيون على ما فعلوه ضد اليهود عبر قانون توافقي غير مقدس حيث لم يتوقف البحث والنقد من قبل مفكرين وباحثين كالفرنسي روجيه جارودي والإنجليزي ديفيد إيرفينغ وتم التعامل مع المسألة قانونيا في محاكمتهما ،والقانون مع صرامته وحزمه إلاّ أنه يمكن تغييره إذ الحرية الفكرية مطلقة في الغرب إذا لم تحد بقانون.
 والسؤوال هو هل يمكن المقارنة بين التطرف في قانون الهيلوكست وبين انتزاع حقوق المسلمين والتعبير عنها بأساليب متطرفة عنيفة؟  فأين تميز الإسلام الذي جذبت الكثير من غير المسلمين حتى أن المفكر الفرنسي روجيه جارودي أعتبر الإسلام والهندوسية الأهم من بين ديانات العالم لاحتوائهما على حق التعدد الديني واحترام الآخر.
لهذا ،كما يبدو لي، عبرت المواقف المحتجة على الرسوم الكاريكاتورية في جانب منها عن المكانة القدسية التي يضع فيها المسلمون نبيهم وبالتالي رفضهم الإساءة إليه،وفي جانب آخر عبرت عن مواقف سياسية من خلال الجماعات الدينية المتطرفة التي ترفض ثقافة العصر الحديث وكل ما هو غير إسلامي ولا تقبل الحوار(بالتي هي أحسن) ،ومن خلال بعض السلطات السياسية العربية والإسلامية التي وجدتها مناسبة  لتهييج الشارع نحو رفض قيم وتقاليد الغرب الديمقراطية التي عادة ما تكون هذه السلطات مطالبة بتمثلها والإقتداء بها.
من هنا نجد أن اعتذار الصحيفة لم يسلط عليه الضوء من قبل الإعلام العربي والإسلامي إلا في وقت متأخر، فقد اعتذرت الصحيفة فور إثارة المشكلة ولم يقبل به  رجال الدين وراحوا يضعون شروطا خارجة عن الموضوع، مع أن المشكلة تتعلق بفرد وصحيفة وليس بموقف دولة أو حكومة أو قارة أوروبا والغرب عامة، حتى يُطلب من الجميع الاعتذار على النحو المطلوب ، مع هذا عادت الصحيفة للاعتذار بصيغة جديدة على رأس موقعها الإلكتروني(http://www.jp.dk/)حيث أبقته بارزا بست لغات :العربية،الإنجليزية ،الدانماركية ،الفرنسية،الألمانية و الأسبانية.         
 ولم تبثه وسائل الإعلام إلا بعد أسبوع ، وبعض الصحف شككت في توجهه مع وضوحه في اللغات الست ،حيث جاء فيه حسب النسخة العربية من الاعتذار:
((حضرة المواطنين المسلمين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته/
دعوني أولا أؤكد على أن صحيفتنا يولاندس بوستن تؤمن وتثمن حرية الانتماء الديني وتساند الديمقراطية وتحترم كل فرد.
نحن نعتذر على سوء التفاهم الكبير الذي حصل حول الرسومات التي شبهت الرسول الكريم محمد - صلى الله عليه وسلم - وأدت إلى نمو مشاعر العداء للدنمارك وللدنماركيين، بما في ذلك الدعوة إلى مقاطعة البضائع الدنماركية. وهنا اسمحوا لي بإيضاح بعض النقاط آملاً إزالة سوء الفهم هذا.
قامت صحيفة يولاندس بوستن بتاريخ 30/9/2005م بنشر 12 صورة للنبي محمد - صلى الله عليه وسلم - رسمها رسامون دنماركيون. ومن المهم جداً الإشارة إلى أن هذه الرسومات لم يكن القصد منها النيل من شخص النبي - صلى الله عليه وسلم - بتاتاً، أو الحط من قيمته، بل كانت مدخلاً للحوار حول حرية التعبير عن الرأي، التي نعتز بها في بلادنا. ونحن لم ندرك حينها، مدى حساسية المسألة للمسلمين الذي يعيشون في الدنمارك وملايين المسلمين في العالم. كما أن نشر هذه الرسومات لم يتعارض بأي شكل من الأشكال مع القوانين الدنماركية فيما يتعلق بحرية الصحافة وإبداء الرأي.
لكن هذه الرسومات أساءت كما يبدو إلى ملايين المسلمين في كل أنحاء العالم، ولذلك نحن الآن نقوم بتقديم اعتذارنا وأسفنا العميق لما حدث، لأن هذا بعيد كل البعد عن قصد الصحيفة, التي سبق لها أن حصلت على جائزة الامتياز من مفوضية الاتحاد الأوروبي، وذلك إثر نشرنا العديد من المقالات في ملحق خاص يدعو للتعايش السلمي، والاحترام المتبادل بين الدنماركيين وكل الأقليات الأخرى في الدنمارك. وهذا الملحق شمل على العديد من الموضوعات التي تحلّت بالإيجابية عن الإسلام والمسلمين.
والذي حدث فيما بعد هو، أن رسومات (مقصودة) مسيئة للإسلام ونبيه الكريم محمد - صلى الله عليه وسلم - نشرت وعرضت في العالم الإسلامي.
هذه الرسومات لا تمت إلى صحيفتنا ولا علم لنا بها، ونحن منها براء، لأنها لم تنشر في يوم ما على صفحات يولاندس بوستن.
نحن نحرص دوماً ونؤكد على الأخلاق الرفيعة المبنية على أسس احترام المبادئ. لذا فإننا نبدي أسفنا العميق، كون البعض ما زال يعتقد بصلتنا وعلاقتنا بهذه الرسومات المغرضة.
وكي نعود إلى الرسومات الـ12 والتي نشرت لدينا فإن البعض يعود إلى سوء فهم مبني على اختلافات ثقافية، دون أن نفضل ثقافة على أخرى، قُدمت وكأنها حملة شرسة نشنها على المسلمين في الدنمارك والعالم أجمع. هذه الفكرة نرفضها ونشجبها، لأننا نؤمن بحرية الأديان أياً كانت. ونقدس حرية الفرد بممارسة شعائره الدينية، ولم ولا نفكر بالمساس أو الاعتداء على أي ديانة. فإننا نأسف على إساءة فهمنا، ونؤكد أن المقصود لم يكن أبداً النيل من أحد.
وفي محاولة جادة من طرفنا لإزالة سوء التفاهم هذا، فعقدنا العديد من الاجتماعات مع ممثلي الجالية الإسلامية في البلاد.
وتمت الاجتماعات في جو إيجابي، والحوار كان بناءً. كما أننا نسعى وبكل الطرق استكمال روح الترابط والحوار مع المسلمين الدنماركيين.
إن رغبتنا أولاً وأخيراً، هنا في الصحيفة، هي التعايش السلمي بين الشعوب. ونتمنى أن تسود روح الحوار، حتى لو اختلفت الآراء.
أخيراً دعوني، وعلى لسان صحيفة يولاندس بوستن أعلن اعتذاري لما حدث، وأعلن استنكاري الشديد لأية خطوة تستهدف النيل من أديان، قوميات أو شعوب معينة. وكلي أمل أن أكون بهذا قد أزلت سوء التفاهم وبالله التوفيق.
مع أطيب التمنيات - كارستن يوسته - رئيس تحرير صحيفة يولاندس بوستن)).
 
 
من هنا إذا كان الكثيرون يعتقدون،وأنا منهم ، أن من حق المسلمين التعبير عن رفضهم الإساءة إلى النبي الكريم عبر احتجاجات سلمية تؤدي فعلها فإن ما قام به البعض عبر التظاهرات من إحراق للسفارات وممارسة العنف برر،إلى حد ما ، تلك الصورة التي يظهر فيها المسلم في الغرب باعتباره إرهابيا ، إضافة إلى أن هذا الأسلوب لم يحقق مطلبا مهما كما هو حال الاحتجاجات المؤثرة التي تتم عادة باساليب أخرى ،سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية،وسلمية ،طبعا.
ما تبقى هنا،سؤوال لم يناقشه المسلمون وهو هل كان سيغضب النبي محمد(صلى الله عليه وسلم) من تلك الرسومات إذا كان عائشا بيننا ؟
فإذا كان يتخذ مواقفه تجاه شتاميه بحسب ما تقتضيه الأمور حيث العقاب كان نادرا أما العفو فهو الغالب في مواقفه.
فهل كانت المقتضيات تتطلب مثل تلك المواقف المتطرفة والرافضة حتى للاعتذار ، أم أن هناك ما هو خارج هذه المقتضيات دعتهم إلى ما قاموابه؟ 
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات ومراجعات | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر