باحث يمني يبحث الوجه المغيب في التراث الإسلامي وذهنية التحريم
كتبهاعلي المقري ، في 29 أغسطس 2006 الساعة: 17:16 م
صنعاء – صادق السلمي :
ـــــــــــــ
علي المقري شاعر وباحث يمني له مجموعتان شعريتان ( نافذة الجسد ) إصدار القاهرة العام 1987 و( ترميمات ) صدرت عن الهيئة العامة للكتاب بصنعاء العام 1999 وله أبحاث في مجال التراث الإسلامي ، ويعمل منذ منتصف ثمانينات القرن الماضي في الإشراف على الصفحات الثقافية في عدد من الصحف اليمنية .
كتب المقري في الكثير من القضايا الثقافية في الصحافة وبرز كصاحب رأي وموقف جريء مثير للجدل في طروحاته .
نشر في الصحافة اليمنية قبل أربعة أعوام عدة مقالات أثارت حينها جملة من الردود الشديدة ضد الكاتب في الصحف وعدد من علماء الدين لجرأة القضايا التي طرحها في هذه المقالات .
نحاور الشاعر والباحث علي المقري حول إشكالية الدين والإبداع التي كانت أرضية لـ ( معارك ) أدبية صحفية على صفحات الجرائد والمجلات اليمنية ووصلت ببعضها للقضاء ، كقضية صحيفة " الثقافية " التي نشرت رواية " صنعاء مدينة مفتوحة " – مسلسلة – للقاص الراحل محمد عبدالولي التي رأى فيها ( البعض ) خروجاً عن الدين وإساءة إليه. وآخرها القضية التي أثارتها رواية " قوارب جبلية " للقاص وجدي الأهدل التي انتهت به فاراً خارج بلاده ، وهي قضية أدلى بها علي المقري برأيه رافضاً تكفير المبدعين:
* انطلاقاً من القضايا التي أثيرت بشأن الإبداع الأدبي والفني، وتلك التي ما زالت قائمة وما يتوقع أن يثار حول هذا الشأن ، هل تعتقد أن هناك تعارضاً بين الدين والإبداع ؟
ـ في مسألة التعارض والوفاق بين الدين والإبداع نجد، من الناحية الفنية، أن هناك مستويات جمالية في النصوص والطقوس الدينية تفوق أحياناً النصوص الأدبية والأشكال الفنية. وقد ظهر العديد من الدراسات التي تتناول التوراة والإنجيل والقرآن من النواحي الأدبية الفنية.
أما من الناحية الفكرية والأيديولوجية فإن الدين كان في حال تضاد مع الإبداع الأدبي والفني. فالدين أراد من الفنون أن تكون وسيلة توصيل دعائية لخطابه الفكري بكل مفاهيمه وتعاليمه، واعتَبَرَ أن أي خروج عن ذلك بدعة ضالة يعاقب صاحبها في النار. وأدى ذلك إلى إعاقة تطور الفنون وتخلّفها كما هو الحال في تراجع مكانة الشعر في العصر الأول للإسلام لعدم قبول أكثر الشعراء دورهم الجديد المحدد مسبقاً .
بينما أدى الموقف الديني المسيحي المتسامح إلى حد ما من الفنون في عصر النهضة الأوروبية إلى ازدهار الفنون التي تتناول المواضيع الدينية الواردة في العهدين القديم والجديد. فشاهدنا خطوطاً ورسومات وتماثيل مايكل أنجلو وليوناردو دافينشي وسمعنا موسيقى باخ. وبقدر ما أنجزت هذه الإبداعات من فضاءات فنية حديثة ومتحولة بقدر ما نُشِرَ الضوء على القصص والمواضيع الدينية لتصبح ملفتة على نطاق واسع أكثر مما كانت عليه وهي لا تتعدى شفائف رجال الدين .
طبعاً الكنيسة شجعت على الفنون التي تخدم توجهاتها الفكرية إلا أن الفنانين والأدباء كانوا أيضاً مخلصين للتوجهات الجمالية فانطلقوا من المواضيع الدينية إلى عوالم لا حد لها .
من هنا نجد أن مسألة التعارض والتوافق بين الدين والإبداع تخضع من الجانب الديني لمنطلقات وثوابت دينية كما تخضع لتحولات زمنية متعلقة بوعي الناس واحتياجاتهم ، أما من الجانب الإبداعي فإن هذا يعود ، طبعاً إلى وعي الفنان أو الأديب المبدع. فقد يكون مكبلاً بعقلية اتباعية لا يستطيع معها تجاوز أنماط الثقافة السائدة وقد يكون فناناً مبدعاً وتتعارض طموحاته المعرفية الحديثة، بآفاقها الجمالية الواسعة، مع ثوابت الثقافة السائدة ومنها الدين .
* عند أي حدود يقف الأديب والفنان في تجاربه الإبداعية ؟
ـ اعتقد أن الحدود المتاحة حالياً للأديب والفنان للتجريب الإبداعي في البلدان العربية ما زالت غير واسعة في المسافة. ولأنها حدود مفروضة على الأديب والفنان من خارج وعيه وضميره الإنساني الحر فإننا نجدها دائماً ما تعيق التجريب الإبداعي. والأديب بدون حصوله على الحرية الآمنة غير المشروطة نجده ينتج أدباً مشوهاً هو صورة لواقع الثقافة المكتوبة والمحاصرة بالممنوعات.
لهذا يمكن أن تكون حرية الأديب والفنان بدون حدود وهي حرية، ليست في إنتاجها، مفروضة أو واجبه الإتباع، ولأنها كذلك فإنها ليست معصومة عن الجدل والحوار حول موضوعاتها وفنيتها، ويمكن أن يصل النقد للموضوعات الناتجة عن ممارسة الحرية إلى أي حد من الخطاب اللغوي(الفكري). لكن على هذا النقد ألا يتعدى الخطاب اللغوي إلى فعل يمارس فيه إلغاء ومنع هذه الموضوعات .
وقد أصبح من المستحيل جداً أن يلغي أي إنتاج أدبي أو فني أو فكري بسبب اتساع عوالم الاتصال والإعلام العابرة لكل حدود جغرافية وفكرية قيمية؟ ومن هنا لا يمكن التوفيق بين الحرية الإبداعية والضوابط الدينية، وصار لزاماً على القائمين على نشر الدين، أي دين، أن يطوروا من أدواتهم وأساليبهم الدعوية إذا كانوا يريدون البقاء والانتشار لمعتقداتهم، ومن ذلك استخدام أدوات وأساليب الاتصال الحديثة كالإنترنت والقنوات الفضائية والدخول في حوار فكري مع الأطراف المنافسة والمعنية بالموضوع.
واعتقد أن الإسلام قد ضَمِنَ حرية الاعتقاد إلى حد الكفر "من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"، ولكن لا يوجد مستوى تأويلي واحد للنصوص الدينية، ما أدى إلى اختلاف المسلمين. ويمكن اعتبار الحرية في الاعتقاد والتعبير عنه موجودة في الإسلام بحيث أن الكفر كرأي وتعبير مسموح به بشرط ألا يخرج الكافر في سلوكه على القوانين العامة التي شارك في صياغتها كل أفراد المجتمع. فيمكن له أن ينتقد حتى هذه القوانين فيعمل في إطار حرية التعبير محاولاً أن يجمع الرأي العام حول مفاهيمه الجديدة ومن ثم يصل إلى تغيير أو تعديل هذه القوانين التي تنظم حياة المجتمع السائد، حسب الاتفاق.
وفي الإسلام هناك آيات كثيرة تؤكد حرية العقائد الدينية وهي حرية موجودة في أكثر الأديان، وحرية الإبداع هي جزء من الحرية العامة حرية المعتقد والفكر والتعبير.
* برأيكم لماذا انتشرت مؤخراً ظاهرة تكفير المبدعين ومصادرة أفكارهم وكتبهم على أساس ديني ؟ وكيف تقيّم من يقف وراءها ؟
ـ ظاهرة تكفير المبدعين ومصادرة أفكارهم أو كتبهم ليست جديدة لكنها هذه المرة تأتي كرد فعل لتراجع المشروع القومي التقدمي والمشروع الماركسي .
فهذه المشاريع لم تستطع أثناء سيادتها وممارستها كخطاب سلطوي رسمي أن تستوعب الخطاب الديني وتدخل معه في حوار فكري نهضوي ومارست هذه المشاريع أساليب الإلغاء والحصر والتشويه لكل خطاب ديني.
وبقدر ما عادت الاستعمارَ الخارجي بقدر ما تنكرت للإرث الفكري الديني، واعتبرت أن الواجهتين لعملة واحدة لا تنتمي للوطن. وبما أن هذه المشاريع قد تراجعت لعجزها عن تقديم حلول ناجحة للمشاكل الاجتماعية والسياسية، وأبرزها إعاقة النمو الديمقراطي وتكريس الخطاب الواحد سياسياً واقتصادياً وثقافياً وكذا السماح بالتدخلات الأجنبية وترسيخ الاتباع للغرب مجدداً، فإن العودة إلى الماضي بإرثه الديني والقيَمي مَثّلت رد فعل اجتماعياً على تسيّد المشروع القومي التقدمي اجتماعياً برؤيته الأحادية وعلى فشل الممارسة لهذا المشروع فيما بعد.
لهذا فإن التكفير لمن ينتمي إلى هذا العصر من خلال الأدب والفن هو تكفير لكل قيم العصر وتمظهراته. فالتكفير هنا هو ضد الفقر وضد الفساد القيمي سواءً للسلطة أو للمثقف العاجز عن فعل تغييري.
والعودة إلى أصوليات الدين تعني إعادة الهوية للذين فقدوها في زحام الثقافة المعاصرة المتضاربة والمأزومة. والعائد إلى ينابيع الدين لا يعنيه الجانب الفكري الجدلي المتعدد في الدين والمتمثل في التأويلات والتفسيرات وغيرها. وما يعنيه هو الحصول على نسق معرفي غير قابل للجدل يقوم بانتقائه من عدة مستويات نصية، فتشكل هويته الروحية التي على الرغم من تداخلها وتناقضها مع تشكلات العصر نجدها قوية في صوتها ومسلكها.
ولهذا نجد هوية الرجعيين الماضويين أكثر تماسكاً وإيماناً من هوية السلطة المدنية العربية التي تضع قدماً في الماضي وقدماً في العصر، كما هي أكثر تحديداً لهدفها من أهداف المثقف العلماني الذي تتشظى أحلامه بين الأمل في تغيير السلطة وتحويلها من خلال العمل معها وبين الاشتغال في مشاريع فكرية نهضوية لا تستطيع الوصول إلى مبتغاها سواء عبر قاعدة واسعة من الناس أو عبر مؤسسات حديثة منظمة.
* هل ترى أن هناك تجاوزات دينية أو أخلاقية، ورأيك بموقف القانون منها ؟
ـ في كل العصور كانت هناك تجاوزات دينية وأخلاقية ، والمسألة ليست في التجاوزات ولكن في كيفية التعامل معها ، إذ كما قلت سابقاً يختلف الخروج أو التجاوز في حدود الرأي والتعبير عن الخروج في الممارسة الفعلية ضد القوانين المنظمة للمجتمع .
فالتجاوز في حدود الرأي يكون قابلاً للحوار والنقاش. إما إذا كان هذا التجاوز ممارسة عملية كالاعتداءات والسرقات فإن اللازم هو تطبيق القانون بشأن ذلك.
* كباحث، كنت واحداً ممن خاضوا مواجهات في هذا الشأن، وخاصة في موضوع " الخمر والنبيذ في الإسلام " ، كيف تقيم موقفك فيها؟
ـ لقد نشرت بعض الأبحاث المتعلقة بذهنية التحريم عند المسلمين من خلال إبراز الوجه المغيّب في التراث وهو الوجه الآخر للتحريم؛ فهناك مواضيع يعتقد أنه قد تم حسم الأمر فيها، والحقيقة غير ذلك لأن ما تم هو القيام بعملية انتقائية لنصوص وشواهد بعينها لتأييد وجهة النظر السائدة وإغفال نصوص وشواهد أخرى تخالف وجهة النظر هذه .
وقد برهنتُ على وجود مستويات عديدة للنصوص تتدرج من تحريمها القاطع لشيء ما إلى تساهلها الواضح إلى حد التحليل للشيء نفسه، والعكس كذلك. وبما أن موضوع بحثي كان "الخمر والنبيذ في الإسلام"، وهو موضوع غير مسبوق في الدراسات الحديثة، فقد ثار رجال الدين وهاجموني بكل الوسائل على الرغم من استشهاداتي الدقيقة من الكتب المرجعية المعروفة.
وأعتبر أن قيمة البحث، أي بحث هو تحريكه للساكن الذهني وتحريضه على تجاوز الذهنية القطعية في التحريم والتحليل، والمتعارضة في أحايين كثيرة، إلى ابتكار حلولِ وأجوبة جديدة للمسائل المعاصرة.
وإذا كان هذا الأمر قد اقتصر على موقف الجماعات الإسلامية أو السلطة الدينية فإن هناك عدة تجارب كان اللاغي فيها لحقي في التعبير والنشر هي السلطة السياسية بالإضافة إلى المثقفين التابعين لمؤسساتها الإعلامية والثقافية .
http://www.metransparent.com/texts/sadek_assilmi_ali_makri.htm
1 يونيو 2004
عن(شفاف الشرق الأوسط)في 1يونيو2004

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : حوارات | السمات:حوارات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























