لــص فــــرنــســـــــا الـقـــــــديــــس
كتبهاعلي المقري ، في 30 سبتمبر 2006 الساعة: 04:53 ص
في احد الأيام، طلب مدرّس من تلامذته كتابة موضوع صغير يصف فيه كل واحد منهم بيته، وعندما فرغ أحدهم من كتابة موضوعه بطريقة مثالية، قرأه المعلّم بصوت عالٍ أمام الجميع، وما إن انتهى من ذلك حتى ضجّ الصف بالضحك، وسخر التلامذة من الصبي قائلين: "لكن هذا ليس بيته، إنه لقيط". نتحدّث عن "جينيه القديس" كما وصفه جان بول سارتر، المنبوذ والسارق الصغير والمنحاز إلى الشرّ من دون أن يبشّر به. شاءت الصدفة فقط أن يكون أحد عظماء فرنسا فرنسياً، على الرغم من أن شيئاً غير اللغة لا يجمعه مع الفرنسيين، وشيئاً غير الاحتقار لا يكنّه للثقافة البيضاء. هل كان جينيه شبيهاً بكلير التي ترتدي ثوب سيّدتها في مسرحيته "الخادمتان" عندما كتب باللغة البورجوازية، لغة "الأعداء" كما سمّاهم؟ ولماذا لم يكتب بلغة اللصوص "الأرغو" (l΄argot) على غرار طبيب الفقراء سيلين؟ الجواب هو: عندما نخاطب العدو، يجب أن نخاطبه بلغته. هذا ما آمن به جينيه، الذي لم يجعل الآخرين أعداءً له بل هم نصّبوا أنفسهم كذلك، حين لم يفهموا رغبته العارمة في الانعتاق التي عبّر عنها بصرخته الوجودية: "سأكون لصاً"، وغوصه في الجزء المحظور والمحرّم منهم وصولاً إلى القعر، إلى المطهر.
ماذا فعل جان جينيه أكثر من تلوين بورتريهاتنا بالأسود؟ أكثر من فرك نحاس مرايانا؟
سارق الكتب
"ولدت في باريس في التاسع عشر من كانون الأول 1910، ونشأت في الخدمة الاجتماعية. في الحادية والعشرين من عمري حصلت على شهادة ميلادي للمرة الأولى: كان اسم أمي غبريال جينيه، أما اسم أبي فظلّ مجهولاً. فهمت أن أمي وضعتني في مسكن في شارع أساس الثاني والعشرين. هذا كل ما استطعت معرفته، وحين ذهبت إلى ذاك الشارع لاقتفاء أثرها، رفض الجميع إرشادي". هذه هي نبذة عن الكاتب ذيّلها بتوقيعه. وإذا كان شارع أساس شهد ولادته الحقيقية، فإن إصلاحية "ميتراي" الزراعية في مدينة تور، التي كانت معسكر احتجاز للأطفال الخارجين على القانون، شهدت ولادته الأدبية، عندما وقع بين يديه وبالصدفة كتاب "الرنّات" لرونسار، الكتاب الذي بهره، وجعله يحتفظ دائماً بنوع من الوفاء لصاحبه كما قال في إحدى مقابلاته، بعدما أعجبته رهافة لغته. لكن قبل مرحلة "ميتراي" كان جينيه أمضى طفولة مضطربة، بعدما عهدت به دائرة الأيتام إلى زوجين في قرية ليني ظل في عهدتهما حتى بلغ الرابعة عشرة، ليدخل السجن للمرة الأولى في معتقل "لا روكيت" حيث أمضى ثلاثة أشهر في إحدى زنازينه، ثم للمرة الثانية في " ميتراي" الحاضرة في أكثر من عمل له، إثر ركوبه قطاراً من دون تذكرة بين باريس وبلدة مو، مفتتحاً بذلك مرحلة السجون المتلاحقة. في العام 1930 سافر جينيه إلى سوريا كجنديّ في الجيش الفرنسي أثناء حكم الجنرال غورو ومساهماً في بناء قلعة عسكرية صغيرة قرب دمشق، بعدما تطوّع باكراً هرباً من الإصلاحية. وبعد رحلة إلى إسبانيا كمدنيّ، عاد إلى الجيش ليخدم في المغرب، البلد الذي أحبّه ودُفن فيه. في العام 1942 كتب "سيدة الأزهار" في السجن، وبفضل جان كوكتو تعرّف إلى أول ناشر لكتبه هو بول موريهيين، وبعد خروجه ألقي القبض عليه بتهمة سرقة طبعة نادرة من كتاب "أعياد رقيقة" لفيرلين، ودافع عنه كوكتو في المحكمة التي كادت تحكم عليه بالسجن المؤبّد نتيجة تكرار سرقاته، واصفاً إياه بأكبر كاتب في العصر الحديث، لتنتهي القضية بثلاثة أشهر من السجن، كتب خلالها "معجزة الوردة"، قبل أن يطلق سراحه أخيراً في العام 1944، بعد حملة احتجاج واسعة.
الجريمة سبيلاً للارتقاء
قد يكون السجن التيمة شبه الدائمة في أعمال جينيه، هذا السجن واقعي غالباً ومجازي أحياناً. فقد ظلّت الزنازين المعتمة والعفنة هاجسه الوحيد: حين كان في داخلها كتب من أجل الخروج، كما عبّر في إحدى مقابلاته: "بما أن كتبي كلها مكتوبة في السجن فهذا يعني أني كتبتها للخروج منه"، وحين خرج منها حاول قتل ذكراها بكل وسيلة، من طريق نفيه بشكل قاطع الشبه بينه وبين شخصياته، معلناً: "لا. لا. لم يبقَ أيّ جزء مني داخل السجن". لكنه في النهاية، لم يستطع الهروب بالكامل، فقد وجّه انتباهه من الزنازين الصغيرة إلى الأخرى الكبيرة المتمثّلة في المستعمرات السابقة، معتبراً أن ديموقراطية فرنسا قامت ضد العرب والأفارقة، وديموقراطية بريطانيا ضد الهنود. لذلك، وجد نفسه تلقائياً مناصراً لقضايا الزنوج الأميركيين والعرب، معلناً أثناء زيارته الولايات المتحدة بدعوة من مجلة "إسكواير" تأييده لحركة الفهود السود، وكان واحداً من أوائل الغربيين الذين دخلوا مخيّم شاتيلا بعد المجزرة الشهيرة، ونقل ذلك في نص عنيف وصادم بعنوان:" أربع ساعات في شاتيلا".
قد يكون العمل الأكثر ارتباطاً بالسجن هو مسرحية "خفارة الموت" التي كتبها في العام 1947، متناولاً فيها ثلاثة شخصيات مفتونة بعالم الشر والجريمة، تقودها أفكارها المشتركة إلى نوع من البحث عن الهوية، من طريق انتحال أدوار وهمية وجرائم محبطة، وكأن الجريمة قدر لا يستطيعون الهروب منه. هذا ما يبدو أيضاً في مسرحيته الأشهر "الخادمتان" التي تنتهي في لحظة تراجيدية، تقتل فيها الخادمة "صورتها"، أو أختها لأنها لا تحتمل وجودها. هكذا تتوحّدان معاً، وتصبحان متساويتين مع سيّدتهما الأريستوقراطية، بعدما ترتدي القاتلة ثوب الجريمة الأحمر المساوي لثوب الرفاهية.
سأموت غاضباً
علاقة جان جينيه باللغة أكثر جدلية من علاقته بالسجن. فاللغة بالنسبة إليه لم تكن سبيلاً للانتماء، بقدر ما هي وسيلة للإيلام. هكذا، كتب ما أراد قوله باللغة الكلاسيكية، لأن "ما أردت قوله له طابع الشهادة"، مبتعداً عن لغة اللصوص المتحوّلة ومختاراً مخاطبة رونسار بلغته نظراً الى كونه لا يحتمل لغة "الأرغو". وهو لم يستمتع أثناء كتابة أعماله بهذه اللغة، ولم يقلق أيضاً كما عبّر يوماً، بل أصيب بالضجر (ما عدا مسرحية "البارافانات"). على أي حال، لقد عكس جينيه من خلال استخدامه اللغة البيضاء حال اللاإنتماء، هو القائل: "لست مواطناً في أي مكان"، حتى في عالم الشر والجريمة، مضيفاً، في معرض ردّه على إلغاء عقوبة الإعدام في فرنسا، أن صدفة بيولوجية جعلته أبيض اللون، لذلك لا يهمّه على الإطلاق إذا قطع الرجال البيض رؤوس بعضهم أم لم يفعلوا، وهو غير مستعدّ للقتال من أجل الفرنسيين ولا حتى من أجل الزنوج. جينيه، الغاسل يديه من السياسة، حمّل الأنظمة الاجتماعية والسياسية المسؤولية عن بؤس العالم، ولم يكن عدمياً متسامحاً، ليردّ أخطاء الطبقات العليا إلى اللعنة التي ميّزت أدب سيلين مثلاً. لذلك، دين في حياته وبعد مماته، فقد ظهرت أبحاث عديدة اعتبرت بعض أعماله معادية للسامية، مثل كتاب "أسير عاشق" وغيره.
لكن من قال إن الكاتب الملعون اهتمّ حقاً كيف سيتم تقويمه؟ جينيه، المنقِّب في الجهة الأخرى من الحياة، لم يعر الموت كثير أهمية، معتبراً إياه "ساقية قليلة العمق" بحسب مالارميه. مضى منذ عشرين عاماً من دون أن يسامح، صارخاً: "سأموت وأنا غاضب، لكني لن أكره من لا يستحق كرهي"، ودُفن بعيداً عن فرنسا في مدينة العرائش المغربية. جان جينيه، لم يقتنع بعالم لم يفرد له مكاناً إلا في عتمته، فكتب الجريمة كما يليق بقديس.
زينب عساف
zeinab.assaf@annahar.com.lb
أعــــــــمــالـــه
له في الرواية: "يوميات لص"، "معجزة الوردة"، "سيدة الأزهار"، "خلاف برست"، و"أسير عاشق". وفي المسرح: "هي"، "رقابة مشددة"، "البلكون"، "الخادمتان"، "الزنوج"، "البارفانات"، و"خفارة الموت". وفي الشعر: "أغنيات سرّية"، "المحكوم بالإعدام"، و"أغنية حب". وفي البحث: "مشغل ألبرتو جياكوميتي"، "سر رامبو"، "باليه"، و"مرآة آدم".
عن(النهار)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالاتهم | السمات:مقالاتهم
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج


























سبتمبر 30th, 2006 at 30 سبتمبر 2006 5:16 م
اخي الكريم : على المقري ..
مقال بجد رائع ..عن كاتب لم اسمع عنه من قبل ولكن سأبداء بالبحث عن كتبه والقراء له
يأتي داخلي دائماً ايمان عميق بان المعاناة والالم ..تخلق ام مبدعين ..او كارهين ( مجرمين )..
كل عام وانت بالف خير …تقبل تحياتي …الحجازيه …