رمضان جاء هاتِها يا ساقي

كتبهاعلي المقري ، في 12 أكتوبر 2006 الساعة: 22:10 م

                     علي المقري
 
لم يعد رمضان كما عُرف في الذاكرة القرائية شهر تجلٍّ صوفي تتصفى فيه الرّوح من خراب الحياة اليومية، ثم تعلو إلى بهاء الكمال ممتزجة بصفاء لا حد له.
ربما ، مازال ، هناك من يغربل روحه في قرية نائية بعيدة عن صخب المدينة وأصواتها الضّاجة باللاشيء، إلاّ أنه ، على الأرجح،  لم يعد هناك من يحتفي بتجليات إبن عربي والحلاج والنفري والسهروردي والجنيد وأبي يزيد البسطامي وجلال الدين الرومي وإبن علوان.
فإذا كان هناك من يقرأهم فهي قراءة على الحافة تحاول قطف معرفة لا تدرك هكذا.
إلى عقود كان رمضان مازال معنىً في الصفاء والتهجد ، ومساحة للوجد والقلق في مراجعة الأيام .
كانت لرمضان خصوصيته حتى أن شاعرا كبيراً كأحمد شوقي نجده في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي يعطي لقصيدته في هذا الشهر  فضاء آخر مفعما بالتنسك والوجد ، ثم يعود إلى حاله كما في القصيدة الشهيرة ومطلعها:
رمضان ولّى هاتِها ياساقي
      مشتاقة تسعى إلى مشتاق
وأذكر أن في طفولتنا كانوا يشرحون لنا البيت بغير معناه  حتى كبرنا وصرنا نتفهم كل القصيدة.
وصارت المدينة العربية تأخذ شكلها الجديد مع رمضان فلم يعد شهر ذاكرة ذات صبغة دينية ، وإنما شهر صخب وفوضى حياة، معيشة دنيا وضجيج جسد فار من كبته في ليال ملتاعة بالرغبة.
ليال تبدأ هائلة ولا تنتهي . . التغذية الحارة بتوابلها وحلوياتها تشعل ما كان مختبئا أو محروما. مسلسلات حب ونجوم فن ومسابقات للشراء والبيع. الكل في زمنه الخاص ، فاصلة زمن جديد يصنعها الشباب والشابات بإزدحامهم في معارض الملابس والأزقة المطفأة إلاّ من الأحلام..ليال تطول عند بعض ..وليال تقصر.
((رمضان جاء هاتِها ياساقي))
كأنه زمن آخر تتخذ القصيدة فيه شكلها الجديد.
الصوفية صارت لغة بهاء تصلح ، فقط ، للشعر في اشتعالاته واشراقاته إذا أراد أن يعود أو يلامس ماتبقى ..
وما تبقى صار موغلا في الغياب كأنه ظل صاحبه ..أو أنه إعلان موت لم نقرأه منذ حين.
رمضان هكذا، صار متميزا ليس لقربه من الصفاء الروحي كما عُهد به ،و إنما لتفجره في الصخب وممارسة الأحلام.. إنهيار الجسد أمام سطوة النار المتوهجة في الأعماق..تداخل الكل في الكل.. والكل في الفراغ..في سقوط المعنى واللاشيء.ali_almuqri@yahoo.com
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات ومراجعات | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “رمضان جاء هاتِها يا ساقي”

  1. بسم الله

    الاخ الاستاذ علي المقرى

    شهر مبارك وكل عام وانتم بخير

    اسعدني كثيرا اطلاعي على مقالتك .

    شكرا لك

    واتمنى لك اطراد التقدم والرقي

    اخوك فهمي

  2. الى الأمام أخ علي



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر