طعم أسود.. رائحة سوداء

كتبهاعلي المقري ، في 5 سبتمبر 2008 الساعة: 20:50 م

جمال جبران

   

إلى الباقي دائماً: زين السقاف

(1)

أقرأ  رواية ” طعم أسود .. رائحة سوداء ” ، لكاتبها علي المقري ، للمرة الثالثة ، ربما  . لأكتشف أن هذا الشاعر النثري قد فعل  في روايته الأولى ( الصادرة حديثاً عن دار الساقي – لندن ) ما يقول بمباغتة حلوة لنا . وهو  يقفز منقذاً كتابته الروائية الأولى من عثرة البدايات . ويحدث كل هذا بعد ثلاث مجموعات شعرية لافتة ومهمة  قام بصنعها .  وهو الشعر الذي جعله في مصاف الطبقة الأولى من شعراء القصيدة الجديدة  . وهنا المباغتة . أن تأتي الرواية من صلب شاعر نثري . رواية تقول : كم أن هذا الشاعر “المقري”  مخادع وماكر . كم أنه يعمل كتابته الروائية في الخفاء ، دون علم من أحد . لتظهر ، روايته الافتتاحية الأولى ، للقارئ العادي ، البسيط ، مثلنا ، باهية  من غير سوء . وهذا على الرغم من أنها تقول صراحة وفاضحة هذا الجو  الغبي المحيط ببنية هذه البيئة اليمنية  . البيئة والمجتمع الراقي ( مجازاً ) . بيئة الدم الأزرق والشرف الرفيع .

(2)

ويبدو علي المقري هنا ، في روايته الأولى ، كمن رمى حجراً في مياه راكدة ،  فاتحاً النار على الجميع وقائلاً : ” أنا أنتمي إلى عرق المضطهدين” ، حد وصف الراحل الزنجي الكبير إيميه سيزير . وهنا ، وعبر كتابته يفتح ضوء كثيفاً  على محيط  الفئة المُهمشة ، المُحتقرة ، المرذولة ، والمقصية  . الفئة التي تعيش خارج الحياة. إخوتنا الذين نسيهم ” أخوة الدم ” والأعراف التي تنظر بعين مغمضة واحدة . عين بليدة ونائمة لاترى إليهم . لكأنهم بلا قلب كما ولاحق لهم في الحياة . ” اقترح سرور أن يحنّطوا نموذجاً من الأخدام ، ويضعوه في زجاج بمتحف ، ثم يتركوا ماتبقى منهم ينقرضون : عليهم أن يتحولوا إلى حشرات ، صراصير ، أو فئران ، إلى أيّ شيء؛ أفضل لهم من أن يتكيّفوا ويُعاد تشكيلهم ، ليصبحوا كمثل هؤلاء ، الذين لم يقبلوا بهم في يوم من الأيام ” . والاقتباس هذا من الرواية .

إلى جانب سرور ، هناك عيشة والدغلو وبهجة والحرتوش والغرنوط وجمعة ، فتاة المحوى الحلوة . واليهم كثير وكثير من شخصيات قام علي المقري بتقديمهم، عارضاً لنا نماذج من لحم ودم . شخصيات تنزف من كرامتها وروحها البشرية المنتهكة على طول الرواية ، كما والحياة اليمنية في أحط مستوياتها  ونذالتها وتقرحاتها  المتعفنة لدرجة السرطان والخراء والقبح الاستثنائي الذي لايتواجد سوى في منطقة واحدة من الكرة الأرضية ، هي المنطقة ، البلاد التي نعيش عليها كبهائم وخنازير سمينة شبعى وراضية بالقَدر والرزق ولقمة العيش المقسومة .

(3)

وفي روايته الأولى ، غمّس علي المقري بسرده الراقي المرتفع ، وجوهنا في الوحل . قام بسلخ القناع المزيف الذي نرتديه محاولين غض البصر عن السفالات الحقيقة التي تجري ، بتواطؤ منا ، حيال هذه الفئة التي ننتمي إليها وتنتمي إلينا . ” قالت إنه ضابط شرطة ، سبق أن قام بمغازلتها ، من فوق سيارته ، أكثر من مرّة إلا أنّها لم تستجب له ” راقبوني هذه المّرة ، وكانوا ثلاثة ضبّاط . دعوني لأركب معهم السيارة التي تحمل رقماً حكومياً . رفضت ، وظلوا يلاحقونني ، حتى قفز أحدهم ، وسحبني إلى داخل السيارة ، التي مضت بي في طريق مجهول . بعد مسافة طويلة ، في واد أخضر ، تركوا السيارة جانباً ، وقاموا باغتصابي . كلّما قاومت يضربونني ، ولم يتركوني إلاّ بعد أن أهلكوني ، ووضعوني في طرف المدينة . بقيت جثّة هامدة بدون حركة ، إلى أن عادت لي الرُّوح وتلمست طريق المحوى ” . تقول الدغلو في الرواية \ الحياة .

(4)

أكتفي هنا من قراءة الرواية \الحياة ، لعلي المقري ، إذ تحتاج لمساحات أكبر و أوسع من المتاح هنا على هذه الصفحة الأخيرة من ” التجمع ” . لأقول بشيء آخر يحدث اليوم على سطح هذه البلاد العنصرية والطائفية والمذهبية ، البلاد التي تحولت إلى ” محوى ” كبير  . وبتوجيهات رسمية . البلاد التي لم يعد فيها مكان لأحد غيرهم . بلاد ال ” معّ ” و ” الذّيه ” . بلاد الفضيلة\ الفضلات ،  المبنية على ” خيّلت برّاقاً لمع ” . المؤسسة على قواعد ” المسجد الحرام ” الذي كان  “صالحاً ” في الأساس لبناء مستشفى لأمراض السرطان والبلهارسيا التي تُنهك وتقتل المئات والمئات من أبناء هذه الأرض التي لم تعد طيّبة . هذه الأرض \ البلاد التي لم تعد صالحة للحياة أصلاً .

هل بالغت هنا ! هل قلت شيئاً فريا ! هل قلت مالا ينبغي قوله أو حتى الهمس به ، بيني وبيني !

إن كان كذلك ، فعليكم قراءة ” طعم أسود .. رائحة سوداء ” ، للجميل الباهي علي المقري . هي دعوة مفتوحة هنا لكل راغب ومريد .. وباغ .

Jimy34@hotmail.com

      

عن صحيفة التجمع
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : طعم أسود.. رائحة سوداء | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “طعم أسود.. رائحة سوداء”

  1. فى خلال الثلاثين عاما الماضية تعرضت مصر الى حملة منظمة لنشر ثقافة الهزيمة بين المصريين, فظهرت أمراض اجتماعية خطيرة عانى ومازال يعانى منها خمسة وتسعون بالمئة من هذا الشعب الكادح . فلقد تحولت مصر تدريجيا الى مجتمع الخمسة بالمئه وعدنا بخطى ثابته الى عصر ماقبل الثورة .. بل أسوء بكثير من مرحلة الاقطاع.

    هذه دراسة لمشاكل مصرالرئيسية قد أعددتها وتتناول كل مشاكلنا العامة والمستقاة من الواقع وطبقا للمعلومات المتاحة فى الداخل والخارج وسأنشرها تباعا وهى كالتالى:

    1- الانفجار السكانى .. وكيف أنها خدعة فيقولون أننا نتكاثر ولايوجد حل وأنها مشكلة مستعصية عن الحل.

    2- مشكلة الدخل القومى .. وكيف يسرقونه ويدعون أن هناك عجزا ولاأمل من خروجنا من مشكلة الديون .

    3- مشكلة تعمير مصر والتى يعيش سكانها على 4% من مساحتها.

    4 - العدالة الاجتماعية .. وأطفال الشوارع والذين يملكون كل شىء .

    5 - ضرورة الاتحاد مع السودان لتوفير الغذاء وحماية الأمن القومى المصرى.

    6 - رئيس مصر القادم .. شروطه ومواصفاته حتى ترجع مصر الى عهدها السابق كدولة لها وزن اقليمى عربيا وافريقيا.

    ارجو من كل من يقراء هذا ان يزور ( مقالات ثقافة الهزيمة) فى هذا الرابط:

    http://www.ouregypt.us/culture/main.html



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر