يمن داخل اليمن
كتبهاعلي المقري ، في 19 سبتمبر 2008 الساعة: 16:59 م

عباس بيضون
في رواية اليمني علي المقري »طعم اسود رائحة سوداء« لا نملك إلا ان نتساءل اذا كانت الرواية وثيقة اجتماعية حقيقية ام انها ليست سوى فانتازيا روائية. هذه الحيرة قلما تحصل على هذا النحو. حدود الوثيقة الاجتماعية قلما تختلط بحدود الفانتازيا لكن رواية المقري تروي الواقع كفانتازيا او تروي الفانتازيا بلغة الوثيقة، ولا نفرق اذا كانت هذه غرابة الواقع أم انه الفن الذي يغرب كل شيء. انه يمن اخر، كذلك كان يمن زيد مطيع دماج، يمن اخر او انه يمن تحت اليمن، انها على كل حال بداية غير محمودة. لماذا نبحث عن اليمن في رواية ما. ليس لسبب الا لانها يمنية. مع ذلك لا ننجو من هذا الفضول، احقا هناك في اليمن طبقة ولا نقول مهنة هي طبقة الاخدام، هل هي طبقة تعادل طبقة المنبوذين التي في الهند. انها فعلا ما يبدو انه اصول اتنية خاصة وشبه مجتمع وشبه ثقافة، هل نصدق انها تشكل »غيتو« مفتوحا لا مغلقا. مفتوحا للمنبوذين والهوامش والقاع الاجتماعي. هل يمكن ان نتخيل ان في وسط اليمن مجتمعا متحرراً من روابط الدم والعشيرة والقرابة المتخيلة والحقيقية بل ويميزه تحرره منها، هل يمكن ان نتخيل ان في اليمن مجتمعا لا يقيم اعتباراً للضوابط العشائرية والدينية ويعيش في تفلت منها، فيكون الجنس حراً والحب حراً والمرأة سيدة رغباتها وجسدها، لكنها ليست واحة بل قاع اجتماعي يعتبر نفسه دون الالتزام العشائري والديني، التفلت مواز للفقر والدونية الاجتماعية والنبذ. بين رواية المقري بتلك الليلة التي اوكل فيها لبنت المزين رعاية اطفال في غياب اهلهم. سيؤدي »اللعب« الجنسي بين الطفل الذي لم تتضح مراهقته وبنت المزين الى حمل الاخيرة. وسترجم حتى الموت لا لأنها حملت فحسب بل لانها، بالدرجة الاولى، بنت المزين. بنت المزين ستكون مدخلاً الى طبقة الاخدام، طحين اجتماعي مع ذلك فإن ثمة شعرا رائعا يعبّر عن هذه الطبقة، ثمة ثقافة خاصة بها، وفي النهاية تكشف ان ثمة افكاراً يسارية تنتشر بينها، هذا الاكتشاف الاخير يبدو من كبوات الواقع، لقد اخرجنا من الاكزوتيكا الفريدة الى نوع من »المضغ« السياسي والايديولوجي المتواتر المألوف في أدبياتنا، تحولت الدعاوة اليسارية والمحاكمة والنضال والسجن الى نوع من عاديات كتابية قطعت الخيال والفانتازيا واعادتنا الى رتابة لم نكن صدقنا اننا خرجنا منها، لا اعرف ما الذي ساق المقري، الى هذه النهاية. هل هي الوثيقة الاجتماعية لم تترك له مناصا، هل هي الحقيقة التاريخية اتبعها بأمانة، ألم يكن من حقه ان ينتقي او يختار، ألم يكن عليه ان يحيد ويلعب ويذهب في اتجاه الرواية لا اتجاه الوثيقة الاجتماعية، ان يضع رواية لا تقريراً، مرة ثانية نسأل اذا كانت رواية المقري من نسج واقع اغرب من الخيال ام من نسج خيال حط بعد هنيهة ولو طويلة. مع ذلك فإن رواية المقري رحلة داخل اليمن الجواني، داخل يمن تحت اليمن او بعد اليمن، وها نحن نخرج من الرواية ولنا عطش الى مزيد، يكتب المقري بمقدرة اكيدة، ان ملكته ليست موضع سؤال. اخشى ان التزامات ايديولوجية وسياسية كلفته فوق ما يطيق، اخشى ان السياسي فيه ربح احيانا على الروائي.
عن ( السفير)
15-9-2008
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : طعم أسود.. رائحة سوداء | السمات:طعم أسود.. رائحة سوداء
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























