"طعم أسود… رائحة سوداء" لعلي المقري:غـــيـــتــــو "الأخـــــــدام" فـي الـــــيــمــــن
كتبهاعلي المقري ، في 15 نوفمبر 2008 الساعة: 12:38 م
اصدر الشاعر اليمني علي المقري روايته الأولى “طعم أسود… رائحة سوداء” لدى “دار الساقي”، وينضم بذلك الى الكثير من الكتّاب الذين يتأرجحون بين الشعر والرواية، حيث بات القارئ يلاحظ ان عين الروائي على الشعر وعين الشاعر على الرواية. الشاعر عباس بيضون اصدر رواية “تحليل دم” ولكن صفة الشاعر غلبت على الرواية في مساره الثقافي، الروائي حسن داوود كتب الشعر في بدايته ورواياته تتضمن عبارات شعرية وهو شغوف بقراءة الشعر، الروائي رشيد الصعيف أيضا كتب الشعر قبل الرواية لكن صفة الروائي غلبت عليه، وهو أعاد اخيراً اصدار اعماله الشعرية، الشاعر العراقي سعدي يوسف اصدر رواية “مثلث الدائرة” لكنها بقيت هامشية جدا في حياته، الشاعر شارل شهوان اصدر كتاب “حرب شوارع” وهو من اهم اعماله لكن صفة الشاعر ملازمة له اكثر من الروائي او القصصي، وقبل هؤلاء زمنياً توفيق يوسف عواد ويوسف حبشي الأشقر اللذان كتبا الشعر قبل الانتقال إلى الرواية، ولا ينتهي الكلام عن هذا الموضوع وتداخل الثقافات والاجناس الادبية، فالكثير من الكتاب يحترفون الفن التشكيلي او النحت، والكثير من هواة الرسم يكتبون الشعر.
لا ندري أي صفة أدبية ستغلب على علي المقري الذي بدأ حياته شاعرا وكاتبا. وهو اصدر روايته الاولى ولاقت مناقشة حول موضوعها، يتطرق من خلالها الى العالم السفلي لـ”الأخدام” ومجتمعهم الخاص - “الغيتو” - الذي يعيشونه والتمرد على القيم بممارسات جريئة كالجنس، على الرغم من الممارسات التمييزية ضدهم. الرواية تتحدث عن فئة المزينين المهمشين، والاخدام وهم السود في اليمن. وهناك حيث الحب يتجاوز كل حدود التفرقة، تتكشف العلاقات بين كل هؤلاء، لتثار عشرات الاسئلة عن الوطن والهوية والتاريخ. لماذا لا يجد رباش سوى الخيانة، خيانة كل شيء، الدين والوطن والتاريخ؟ فيما سرور، الذي يرفض أن يندمج في مجتمع، ظل يهمش الأخدام طويلاً، مقترحا تحنيطهم ووضعهم في زجاج في المتحف، ثم تركهم ينقرضون. ألم ير يوم زواج الخادمة جمعة والدكتور “أنه يوم حلو… أبيض وأسود”؟
تجري حوادث الرواية بين 1970 و1982 زمن تشطير اليمن وقبل وحدتها وفي مدينة تعز قرب مستنقع عصيفرة حيث مجمعات عيش الأخدام المبنية من الكارتون والصفيح. يتعرف الراوي الى حياتهم بما تختزنه من مرارة. يقول بلسان امبو، الشخصية الرئيسية: “ابن شموس مات بعدما بقي يبول دما لمدة اسبوعين وكان في الثامنة من عمره تقريبا. كاذية بنت المسفوح في العشة المجاورة لعشة شموس كانت اكبر - ربما في العاشرة - ماتت بعد سعال دام لاشهر وقالوا انه السل. بدأت سنة حزينة كان الشتاء كعادته مليئا بأخبار موت الاطفال المفزعة. الصيف جاء ايضا ومعه البلهارسيا والملاريا”. يضيف: “لم يكونوا في العشش يرهبون الموت حين يعلمون موت رجل او امرأة بلغا الثلاثين من عمرهما او اقل من ذلك ببضع سنوات. يعتقدون انها كافية لعمر الخادم وأفضل له من بقائه وهو يتعذب من الامراض التي تهاجمه طوال عمره وتصبح صعبة الاحتمال بعد سن الخامسة والعشرين وأصعب بعد الثلاثين.”
مثل آخر جرى في مدينة تعز وهو محاكمة رباش العبد الذي تجرأ على ان يحب فتاة فاتهم “بالخيانة والاغتصاب وانتهاك حرمة احدى الاسر الكريمة”. فالاخدام هؤلاء لا تسمح لهم المحكمة بدخولها “حتى وان كان لحضور جلسات تعقد لمحاكمة اهاليهم. يدخلونها فقط حين يقبلون كخدام فيها يكنسون القاعات والغرف من الاوراق التي يرمي بها الكتاب والمتقاضون وينظفون الاوساخ التي تتناثر من الاحذية والافواه”.
يعتبر المقري ان الأخدام يواجهون تمييزاً عنصرياً أشد قسوة من التمييز السابق في أفريقيا وأميركا، أو الهند. فالتمييز هناك صاحب الممارسات العبودية ضد السود والملونين، أمّا في اليمن فقد صاحب التمييز العنصري بسبب اللون ممارسات اضطهادية وتهميشية، أسوأ من العبودية. وكذلك تم نبذ الكثيرين بسبب مهنهم كالمزينين الحلاّقين والحرفيين. وهو بذلك يقدم صورة اخرى عن واقع اليمن، صورة لا نعرفها، هي “يمن في اليمن” كما كتب احدهم، ولا نعرف ان كان مضمون رواية المقري انعكاسا للواقع اليمني، ذلك لأن الرواية الحديثة تجاوزت التقاليد السابقة، وبدأت تمزج الواقع بالوهم والفانتازيا بالوثائق الاجتماعية، انها رواية تكسر الجدران التقليدية في سبيل نص مفتوح على كل الاحتمالات.
يكتب المقري في روايته: “هل يمكن الطفل الأسود عبده عيشة أن يدخل المدرسة، ويتعلم مع التلاميذ. اللون الأسود في العلم الوطني يرمز إلى عهد الظلام البائد، وإلى كل ما هو قبيح وبشع ومرعب وسيىء. والواقع ان العلم كان واحدا من المحرمات الكثيرة على جماعة الاخدام”.
ويورد علي المقري في الرواية اراء وابحاثا في موضوع الاخدام وأصلهم. ويتحول بعض هؤلاء الى انصار لجماعات يسارية خاصة في عهد “سالمين” او سالم ربيع علي. حصة هؤلاء المساكين من “التطور” اتخذت الشكل الآتي: “زحف البيوت الاسمنتية نحو العشش يزيد من قلقنا. جرافات كثيرة سبقتها. لم يكونوا يستأذنون احدا من الاخدام في هدم عششهم ومسح الارض لتكون صالحة للبناء. قالوا ان تجارا كبارا اشتروا الارض من اصحابها الذين لم يعرفهم احد”.
يستقرئ المقري فن الاخدام، ألعابهم وأغانيهم وعاداتهم ويبوح بشكواهم، وإن بدا بعضها مسقطا من وعي الكاتب نفسه، لأن حوارات الشخصيات ولا سيما سرور ورباش العبد والحرتوش تعكس وعيهم السياسي والاجتماعي بأكثر مما يتيحه السرد من تاريخ الشخصية وأبعادها.
تحوي الرواية الكثير من المواقف التي تدعو إلى الدهشة والتقزز أحيانا، احدها هي وضع رجل وأمرأة عاريين في كيس أمام حشد من الاخدام لممارسة لعبة ما.
يمكن القول إن رواية المقري هي أول إطلالة أدبية علنية على العالم السفلي للاخدام الذي تسوده عادات وممارسات محكومة بالفقر والأوبئة والتهميش. وتصور الرواية حال التوتر الذي تعيشه هذه الفئة بين توقها الى التحرر من هامشيتها في المجتمع الذي هو في نظرها في مستوى أكثر قهراً من العبودية، وبين مزاجها المعيشي القريب إلى عالم الرفض لكل ما يحيط بها من قيم إيديولوجية وسلطات اجتماعية. ثمة من انتقد الرواية لأنها تتضمن ما يشبه الوثيقة الاجتماعية من دون الاخذ في الاعتبار ان الرواية الحديثة تقترب من الواقع والفانتازيا والاجتماع والفن التشكيلي، وليس غريبا ان تتضمن الرواية بحثا اجتماعيا، فذلك من علامات ما بعد الحداثة كما يقال، والتي انتجت مفاهيم جديدة في كتابة العمل الروائي.
لا ندري أي صفة أدبية ستغلب على علي المقري الذي بدأ حياته شاعرا وكاتبا. وهو اصدر روايته الاولى ولاقت مناقشة حول موضوعها، يتطرق من خلالها الى العالم السفلي لـ”الأخدام” ومجتمعهم الخاص - “الغيتو” - الذي يعيشونه والتمرد على القيم بممارسات جريئة كالجنس، على الرغم من الممارسات التمييزية ضدهم. الرواية تتحدث عن فئة المزينين المهمشين، والاخدام وهم السود في اليمن. وهناك حيث الحب يتجاوز كل حدود التفرقة، تتكشف العلاقات بين كل هؤلاء، لتثار عشرات الاسئلة عن الوطن والهوية والتاريخ. لماذا لا يجد رباش سوى الخيانة، خيانة كل شيء، الدين والوطن والتاريخ؟ فيما سرور، الذي يرفض أن يندمج في مجتمع، ظل يهمش الأخدام طويلاً، مقترحا تحنيطهم ووضعهم في زجاج في المتحف، ثم تركهم ينقرضون. ألم ير يوم زواج الخادمة جمعة والدكتور “أنه يوم حلو… أبيض وأسود”؟
تجري حوادث الرواية بين 1970 و1982 زمن تشطير اليمن وقبل وحدتها وفي مدينة تعز قرب مستنقع عصيفرة حيث مجمعات عيش الأخدام المبنية من الكارتون والصفيح. يتعرف الراوي الى حياتهم بما تختزنه من مرارة. يقول بلسان امبو، الشخصية الرئيسية: “ابن شموس مات بعدما بقي يبول دما لمدة اسبوعين وكان في الثامنة من عمره تقريبا. كاذية بنت المسفوح في العشة المجاورة لعشة شموس كانت اكبر - ربما في العاشرة - ماتت بعد سعال دام لاشهر وقالوا انه السل. بدأت سنة حزينة كان الشتاء كعادته مليئا بأخبار موت الاطفال المفزعة. الصيف جاء ايضا ومعه البلهارسيا والملاريا”. يضيف: “لم يكونوا في العشش يرهبون الموت حين يعلمون موت رجل او امرأة بلغا الثلاثين من عمرهما او اقل من ذلك ببضع سنوات. يعتقدون انها كافية لعمر الخادم وأفضل له من بقائه وهو يتعذب من الامراض التي تهاجمه طوال عمره وتصبح صعبة الاحتمال بعد سن الخامسة والعشرين وأصعب بعد الثلاثين.”
مثل آخر جرى في مدينة تعز وهو محاكمة رباش العبد الذي تجرأ على ان يحب فتاة فاتهم “بالخيانة والاغتصاب وانتهاك حرمة احدى الاسر الكريمة”. فالاخدام هؤلاء لا تسمح لهم المحكمة بدخولها “حتى وان كان لحضور جلسات تعقد لمحاكمة اهاليهم. يدخلونها فقط حين يقبلون كخدام فيها يكنسون القاعات والغرف من الاوراق التي يرمي بها الكتاب والمتقاضون وينظفون الاوساخ التي تتناثر من الاحذية والافواه”.
يعتبر المقري ان الأخدام يواجهون تمييزاً عنصرياً أشد قسوة من التمييز السابق في أفريقيا وأميركا، أو الهند. فالتمييز هناك صاحب الممارسات العبودية ضد السود والملونين، أمّا في اليمن فقد صاحب التمييز العنصري بسبب اللون ممارسات اضطهادية وتهميشية، أسوأ من العبودية. وكذلك تم نبذ الكثيرين بسبب مهنهم كالمزينين الحلاّقين والحرفيين. وهو بذلك يقدم صورة اخرى عن واقع اليمن، صورة لا نعرفها، هي “يمن في اليمن” كما كتب احدهم، ولا نعرف ان كان مضمون رواية المقري انعكاسا للواقع اليمني، ذلك لأن الرواية الحديثة تجاوزت التقاليد السابقة، وبدأت تمزج الواقع بالوهم والفانتازيا بالوثائق الاجتماعية، انها رواية تكسر الجدران التقليدية في سبيل نص مفتوح على كل الاحتمالات.
يكتب المقري في روايته: “هل يمكن الطفل الأسود عبده عيشة أن يدخل المدرسة، ويتعلم مع التلاميذ. اللون الأسود في العلم الوطني يرمز إلى عهد الظلام البائد، وإلى كل ما هو قبيح وبشع ومرعب وسيىء. والواقع ان العلم كان واحدا من المحرمات الكثيرة على جماعة الاخدام”.
ويورد علي المقري في الرواية اراء وابحاثا في موضوع الاخدام وأصلهم. ويتحول بعض هؤلاء الى انصار لجماعات يسارية خاصة في عهد “سالمين” او سالم ربيع علي. حصة هؤلاء المساكين من “التطور” اتخذت الشكل الآتي: “زحف البيوت الاسمنتية نحو العشش يزيد من قلقنا. جرافات كثيرة سبقتها. لم يكونوا يستأذنون احدا من الاخدام في هدم عششهم ومسح الارض لتكون صالحة للبناء. قالوا ان تجارا كبارا اشتروا الارض من اصحابها الذين لم يعرفهم احد”.
يستقرئ المقري فن الاخدام، ألعابهم وأغانيهم وعاداتهم ويبوح بشكواهم، وإن بدا بعضها مسقطا من وعي الكاتب نفسه، لأن حوارات الشخصيات ولا سيما سرور ورباش العبد والحرتوش تعكس وعيهم السياسي والاجتماعي بأكثر مما يتيحه السرد من تاريخ الشخصية وأبعادها.
تحوي الرواية الكثير من المواقف التي تدعو إلى الدهشة والتقزز أحيانا، احدها هي وضع رجل وأمرأة عاريين في كيس أمام حشد من الاخدام لممارسة لعبة ما.
يمكن القول إن رواية المقري هي أول إطلالة أدبية علنية على العالم السفلي للاخدام الذي تسوده عادات وممارسات محكومة بالفقر والأوبئة والتهميش. وتصور الرواية حال التوتر الذي تعيشه هذه الفئة بين توقها الى التحرر من هامشيتها في المجتمع الذي هو في نظرها في مستوى أكثر قهراً من العبودية، وبين مزاجها المعيشي القريب إلى عالم الرفض لكل ما يحيط بها من قيم إيديولوجية وسلطات اجتماعية. ثمة من انتقد الرواية لأنها تتضمن ما يشبه الوثيقة الاجتماعية من دون الاخذ في الاعتبار ان الرواية الحديثة تقترب من الواقع والفانتازيا والاجتماع والفن التشكيلي، وليس غريبا ان تتضمن الرواية بحثا اجتماعيا، فذلك من علامات ما بعد الحداثة كما يقال، والتي انتجت مفاهيم جديدة في كتابة العمل الروائي.
راشيل عيد
عن (النهار) اللبنانية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : طعم أسود.. رائحة سوداء | السمات:طعم أسود.. رائحة سوداء
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























