علي المقري لـ (المصدر): لاحدود لمنطلقات السرد الجديدة وبعض الأشكال لم تعد تحمل من الرواية سوى اسمها

كتبهاعلي المقري ، في 23 نوفمبر 2008 الساعة: 07:05 ص

 

حوار: سارة رشاد

بعد روايته الأولى طعم أسود.. رائحة سوداء يعتزم الشاعر والروائي علي المقري إصدار روايتين أخريين إحداهما بعهدة الناشر.

في هذا الحوار مع (المصدر) يكشف المقري ملله من تحويل الشعر إلى ملازم له، وها هو يخوض تجربة السرد لأول مرّة، وقد لاقت صدى طيباً من أقلام نقدية عربية كبيرة.

 

*  يا إلهي !!هل يمكن أن يحدث هذا؟ هكذا قال جارثيا ماركيز في اليوم السابق لكتابته أول قصة في حياته بعدما قرأ عبارة »  عندما استيقظ جريجوريو سامسا ذات صباح، بعد حلم مزعج، وجد نفسه وقد تحول فى سريره إلى حشرة هائلة»  من رواية المسخ Metamorfosis لفرنز كافكا..

فما الذي قرأه، تابعه، لمحه علي المقري الشاعر كي يبدأ في روايته الجديدة طعم أسود..رائحة سوداء؟؟

- سيلزمني، ربّما، مقدار نصف عمري الحالي، أو أكثر، لأتجرأ وأتحدّث عن منطلق الهاجس الذي لازمني خلال سنوات طويلة، حتى بدأت أكتب الرواية.

يمكنني، إذا عشت إلى ذلك الحين، أن أخبرك. حينها سيقولون: كبر في السن، وبدأ يخرّف ويهذي. وقد لا يصدّقني أحد.

 

 

*أخشى أن التزامات أيديولوجية وسياسية كلفته فوق ما يطيق، أخشى أن السياسي فيه ربح أحيانا على الروائي. هذا ما قاله عباس بيضون  في السفير عن روايتك. لم تصلني الرواية بعد، لكن : ماذا لو أن علي المقري تورّط فعلاً في السياسي والإيديولوجي على حساب الفني؟

- كان اليساريون يعتبرون كلّ ما ينتج في الأدب أو الثقافة يعبّر عن موقف أيديولوجي ما، ليس بالضرورة يسارياً.

أنا وعباس بيضون، كلانا، لنا سوابق يسارية، فلا أدري هل حكمه على الرواية، هو من بقايا المؤثرات الثقافية القديمة، أم أن روايتي هي التي استدعت تلك المفاهيم؟.

فتبعاً للمنطلق اليساري السابق، يبدو من السهولة أن يقرأ كاتب أو ناقد رواية ما ويحكم بأنها رواية ملتزمة أيديولوجيا وسياسيا، لكن من الصعوبة، كما أظن، أن تُكتشف رواية ما أنها غير أيديولوجية أو حزبية. فهل تكفي قراءة جملة فكرية يقولها شخص في رواية، أو فقرة تقريرية مقصودة، أو ملاحظة وجود إشارات وصفحات قليلة توثق لحدث أو تاريخ واقعي داخل مجمل السرد المتخيل، للحكم أن هذه الرواية ملتزمة أيديولوجيا؟

من حق عباس بيضون، طبعاً، قراءة الرواية على طريقته، أو من الزاوية التي يراها، ومن حقّه اعتبارها أيديولوجية وسياسية. كما، من حق قرائه أن يثقوا به، فيذهب، مثلاً، الأيديولوجي السياسي لاقتنائها وقراءتها، على اعتبار أنها تنحو باتجاهه، ولا يذهب الملول من الأدب الإيديولوجي من أجل ذلك.

  لكن، ماذا لو أكتشف الأيديولوجي أن الرواية لا تلبي مطلبه، وأنها تسرد السياسي و تاريخه في إشارات وصفحات قليلة لكنها لا تنطلق منه أو (تعبّر) عنه؟

أتساءل، من سيعوّضه عن خسارته في شراء الرواية، بعد أن وثق بتوصيف الكاتب؟

بالطبع، لست أنا، إنّه عبّاس بيضون.

* وكسؤال آخر، تساءل عباس بيضون عن كون الرواية وثيقة اجتماعية حقيقية أم  فانتازيا روائية، أين تضعها أنت؟

 يبدو لي، أنه لم يعد يوجد، في منطلقات السرد الجديدة أي حدود، تمنع دخول السرد الواقعي والتاريخي التوثيقي في السرد المتخيل. وهناك إنتاج كبير ملحوظ في هذا المجال.

لكن هذا المنجز، لا يعود إلى منطلقات الرواية التقليدية التي تسرد التاريخي والتوثيقي لتؤكّده وتقدمه كعبرة أو عظة أو إرشاد.

ظلت الرواية الحديثة تعتبر التوثيقي والتاريخي، وكذلك  التقرير والتعليق أو تدخل المؤلف المباشر، من خصوصيات  الرواية التقليدية، لكن الرواية التي تلتها، والموصوفة بالجديدة، أو ما بعد حديثة، أو رواية اللارواية، لم تأبه بهذه الحدود والمعايير، وصار البناء السردي مفتوحاً تماماً، بل، أحياناً، لم يعد هناك  بناء، ويظن نقاد، أن بعض الأشكال السردية لم تعد تحمل من الرواية سوى اسمها. حتى أن الرواية الحديثة نفسها، لم تعد بالصرامة الشكلية السابقة نفسها، فتضمّن إنتاجها الكثير من السرد التاريخي والتوثيقي مرسّخة بذلك منحى الإيهام بالواقعية، مع محافظتها، طبعاً،  على تراتبية زمنية في إطار بناء منتظم تنمو فيه الأحداث والشخوص، وإن بدا في حال تفكك.

بالنسبة لي، لم أجد طريقة أخرى أسرد فيها هذه الرواية، غير ما بدت عليها. ربّما لأنها عن الأخدام، أي عن موضوع له حساسية خاصّة تاريخية واجتماعية في اليمن. كنت أتمنى أن يكتب هذه الرواية أحد غيري، لكي أكتب رواية من وجهة مختلفة، ولو كانت عن الأخدام، أيضاً.

قرأت مرّة أن  آلن روب جريه كتب في رواية له وصفاً تفصيلياً  للوحة تشكيلية في متحف للفنون، وحين ذهب المهتمون بالتشكيل للبحث عنها في جناح الفنان المذكور في الرواية  لم يجدوها.

كثيرون يسألونني هل تلك اللعبة فعلاً يقوم بها الأخدام؟ هل كان هناك محوى للأخدام اسمه (زين)؟ هل حقيقة يسمّون مدينة تعز وسكّانها وكل ما هو غير أسود ب(أمبو)؟

هل الحكاية المسرودة عن الجن والأنس تتداول لدى فئة (المزيّنين) أم أنها مؤلّفة من فبلي؟

 

*بعد طعم أسود … رائحة سوداء، هل أغلق علي المقري غرفة الشعر؟

  لا أعرف، أنا، أيضاً، أتساءل. لم أقر في إجابة حتى الآن

- هل يمكن أن تتوقف عند يحدث في النسيان لتبحث عن وسائط تعبيرية أخرى،الرواية مثلا؟

  - لديّ مجموعة شعرية رابعة، ستصدر قريبا. لا أستطيع أقول أنني عبرها أودّع الشعر، ليس لأنّني لا أؤمن بالإلهام  الشعري وبالتالي أستطيع أن أتوقف عن كتابته في أّية لحظة، بل أشعر أنني بدأت أتمرّن على فقدانه كلصيق باسمي وتحويله من ملازم لي إلى  رفيق مواز، أي يكون له استقلاليته الخاصة،  فصفة (الروائي) تشعرني أنني صرت شخصاً آخر غير الذي كنته، وهذا يغريني جدّاً. فلماذا لا نغيّر أسماءنا وصفاتنا إذا شعرنا بالملل منهما.  لقد أرسلت بالرواية الثانية إلى الناشر، وأعمل الآن في صف رواية ثالثة،  أنقلها من الورق إلى الكمبيوتر، هل هذا يكفي لتغيير صفتي السابقة؟ ما الذي يلزمني لتغيير اسمي؟ أي ملل أكثر من أن يلازمك ويلتصق بك اسم طوال حياتك؟

 

*من  (الخمر والنبيذ في الإسلام) إلى ( طعم أسود.. رائحة سوداء)، يقال أنّك كاتب إشكالي تراهِن على الضجيج. ماذا تقول أنت عن كتاباتك؟

  - يعرفني الأقرباء أنني شخص هادئ وخجول، منزو على حالي في أكثر الأحوال ولا يجذبني الضجيج.. أحب الجدل والمتضادات، ليس لأنني صرت روائياً، بل لأنني ربّما قرأت متضادات الجاحظ،  في وقت مبّكر من عمري فبقيت مندهشاً من ذلك الأسلوب، اكتشفت أثر الجاحظ فيّ قبل سنتين فقط، حين عدت لأقرأه.. هل يعني تحريك المتضادات في لعبة الحياة أنني كاتب إشكالي؟. لا أعرف. ما أظنّه هو خلافاً لقولك أنني لا أراهن على الضجيج. فإذا كان لزاماً على هذا الضجيج أن يثار مع أي لعبة تضاد، جاءت منّي أو من آخرين، فآمل أن يبتعد كثيراً عنّي. من حقّه أن يكون، كما من حقي أن أطلب منه أن لا يقترب منّي. أمّا إذا أراد مثير ضجيج أن يشاركني لعبة التضاد في الحياة، فليأتي إليّ سهلاً، يدخل في جيبي لأتحسسه بأصابعي كلّما أدركت أنّه لم يعد فيه،  فأجد نفسي في جيبه بدون أصابع

*بالنسبة للباحث علي المقري…كيف يفسر حلول  كتاب الخمر والنبيذ في المرتبة الثانية في معرض بيروت العربي الدولي للكتاب الذي نظم في دورته الحادية والخمسين في صالة بيال للمعارض في بيروت بين الثالث عشر والسابع والعشرين من ديسمبر 2007 ضمن قائمة الدين والإسلاميات؟

 

 

 

- ربّماً، لأنه كُتب بطريقة مختلفة، أو قدّم مرويّات أخرى كانت مغيّبة.

*في ملتقى صنعاء للشعراء الشباب،حيث كنت تمثل  نائب رئيس اللجنة التحضيرية للملتقى.. هل ذهب الملتقى مع الريح؟

 - لا أعرف إذا كان قد ذهب تماماً. العلم عند وزارة الثقافة

 

 

 *يشتكي الكثير من المثقفين اليمنيين من هشاشة حركة النشر في اليمن وصعوبة النشر خارج اليمن. لماذا لا يبادر مجموعة من المثقفين (أنت مثلا) بتأسيس دور نشر بالاتفاق مع جهات معينة، اقتصادية مثلا لتسهيل المشروع؟ هل هناك فكرة في هذا الصدد؟

  - لقد فكّرت مرّات كثيرة في ذلك، من خلال طرح الفكرة على أصدقاء يملكون المال.

كنت أطلب منهم أن ينفذوا مقترحاتي التي يعجبون بها دون أن أكون مشاركا لهم بالتنفيذ، لكنّهم لم يكونوا جادين.  أحدهم أصرّ أن أكون شريكاً له، وحين قبلت اختلفنا على الأرباح، لا أدري من السبب أنا أم هو.  أردت منه أن يساوي قيمة الأفكار والتخطيط مع حجم رأسمال، فرفض وأصر على أن يهبني الربع فقط من الأرباح. اعتقدت حينها أن ذلك إهانة للأفكار وعدم مساواتها بالمال. كان يذكّرني بقولي له، قبل موافقتي على الشراكة، أنني  مستعد أن أمنحه مقترحاتي واستشاراتي مجاناً. فأقول له  أن ذلك مسألة مبدأ، إمّا وأن أعطيك الإستشارات مجّانا أو أدخل معك شريكا في النصف مقابل أفكاري وخططي. لقد امتنعت أخيراً عن عزائمه الكريمة لأنّه يظل يتذكّر ما حدث بيننا إلى حد الملل.

  وقد قدمت في عام 2004 ورقة عن الاستثمار في الجانب الثقافي إلى مجلس الشورى ونوقشت في الجلستين المخصصتين لهذا الموضوع. ولكن بدون فائدة.

 

*لكي تكون مثقفا يجب أن تكون يساريا،موضة كلاسيكية تنتشر بين المثقفين العرب، منذ الأربعينات ،الشباب تحديدا. أين يقع علي المقري من هذه الموضة؟

  - لا أخفي علاقتي السابقة باليسار, لكنني لم أكن نشطاً تنظيمياً، كنت إذا تقدّمت خطوة عدت عشر خطوات إلى الوراء، كنت أخاف من التكاليف التنظيمية الحزبية، التي تستوجب الدوام والنشاط المكثف للبرهنة على صفة المناضل الجسور. كنت دائما ما أضع  مسافة ما بيني وبين المؤسسة، أي مؤسسة، ربّما لأنّني كائن غير اجتماعي…جريء وشجاع على الورق، فقط. اقتصرت علاقتي بالاشتراكيين من خلال الصحافة إذ ترأست القسم الثقافي لصحيفتي (المستقبل) و(الثوري)، ولم يطلب منّي أثناء ذلك، أبداً، أن أحضر اجتماعاً حزبياً أو أحمل بطاقة حزبية، وكان معظم المسئولين في الصحيفتين يعطونني حرّية كاملة في التحرير الثقافي، طبعاً مع وجود انتقادات من بعض المحافظين في الحزب، الذين كانوا يظنون أن بعض ما أنشره يخرّب تحالفات الحزب التكتيكية مع الأحزاب الدينية.

 

*علي المقري..الصحفي،الشاعر،الباحث،الروائي.. هل ترددت قبل أن تتعدّد هكذا، أو طرأ عليك الهاجس الذي أشار إليه شوقي بزيغ في كتابته الأخيرة عنك، أعني كون الكتابة الإبداعية في أكثر من لون إبداعي ضرباً من المخاطرة؟

- أحياناً، أجد نفسي متطرّفاً في ما أعمله، أهتم كثيراً بمستوى الإتقان لأي شيء. أقرأ وأتعب كثيرا من أجل أن أقتنع بشيء. أنا أكثر المنتقدين لذاتي ولما أكتبه، وأجد أحيانا أن الانتقادات التي تقال أو تكتب ضدّي لا تصل إلى مستوى وحجم نقدي أنا لما أعمله.

أتفق مع شوقي بزيع أن الكتابة في أكثر من لون أدبي وفني  ضرب من المخاطرة. بالنسبة لي، لا أجدني متضارباً مع ذاتي، فإن تكتب  عن الخمر والنبيذ من زاوية بحثية مختلة كأنك تكتب رواية بسرد مختلف، وما تظنه شعراً يصبح مقروءاً كسرد، كما عمل الروائي يوسف المحيميد، حي قرأ (يحدث في النسيان) في (الحياة) من منطلق سردي. حين أثار أحد الشيوخ ضجّة عن نصي (تدليك).  سألني كثيرون: أتجرؤ على ذكر ما ترغب به بكل وقاحة؟ كنت أقول لهم إنني أسرد عن شخص آخر بضمير الأنا. لم يسمعوني، طبعاً. فصورة الشاعر القديم الذي لا ينفصل سلوكه عن شعره هي وحدها الحاضرة في أذهانهم.

وأظن أن الجاحظ هرب من هذا المأزق، الذي ما زلنا نعيشه، حين مضى في كتبه نحو لعبة المتضادات، ككتابه (المفاخرة بين الجواري والغلمان).   

 

* كثيرٌ جدّاً من السياسة قليلٌ من الثقافة .. هل يبدو المشهد اليمني على هذه الصورة ؟ وإذا كان لمنا حركة النشر في اليمن، فما هو نصيب حركة التأليف من هذا اللوم؟

- يبدو لي أن هناك حراكا أدبياً ينمو، ولكن ببطء غير لذيذ.

 

* كيف تنظر إلى الجوائزالأدبية؟ أيضاً : لماذا لا توجد مؤسسات كبيرة يمنية ، ثقافية أو حتى اقتصادية ، تتبنى جوائز إبداعية بشروط اشتراك معقولة، في الشعر، المسرح ، القصة ، الرواية، الصورة …؟ هل يشارك هكذا غياب في إبطاء النمو الثقافي إجمالاً؟ أيمكن أن نقول هذا؟

  - بالتأكيد، الجوائز عامل تشجيع لمواصلة الكتابة. أظن أن كل الكتّاب اليمنيين، بل والعرب، بحاجة إلى جوائز ومنح تفرّغ، ليس لأنّ ما ينتجونه يستحق ذلك، بل لأنّهم يعيشون، معظمهم، في حال من الفقر، تبدو معه الأدمغة جافة والأصابع مشلولة عن كتابة شيء ما بشكل ملفت.

* قصيدة النثر والقصيدة العمودية في اليمن .. هل تعتقد أن هذا التجاور قابل للاستمرار مستقبلاً؟

  - لا أدري، إلى أي حد سيظل التجاور. مع هذا أنا مع التنافر والتضاد، هذا يعني أنني مع حرّية الكتابة بأي شكل من الأشكال. كما أنا مع النقض، أي  أن بعض الأشكال الأدبية مصيرها التقادم، حين تصبح مكررة إلى حد الملل ومملة حد الموت، بحيث لا تترد إذا ما أصبح شكلا ما في حال احتضار دائم، كالقصيدة العمودية، أن تردد (كفى بك داء أن ترى الموت شافيا).

 

*هل لك أن تفشي سرّك القادم للمصدر؟ رواية ، ديوان، كتاب نقدي ..؟

  - كما فلت سابقاً، هناك مجموعة شعرية ستصدر قريبا، ولدي روايتان منجزتان إحداهما صارت بعهدة النّاشر.

 

                                   عن صحيفة (المصدر) صنعاء11نوفمبر200-العدد50

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : حوارات, طعم أسود.. رائحة سوداء | السمات:,
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر