الأديبة الأردنية سميحة خريس تكتب :عن كوكبان وما أدراك ما كوكبان

كتبهاعلي المقري ، في 3 ديسمبر 2006 الساعة: 12:14 م

في المساحة المعلقة بين الارض والسماء، بين الحلم والحقيقة، تسترخي كوكبان، تمد أطرافها الخضر على مدارج الهضاب المحيطة، وتتنفس بدعة في عمق الوادي المكلل بالغيم، قرية مسكونة بالأسطورة، تخرج النسوة الرشيقات المدثراث بالأسود يخطين بثبات وهن يوازن أكداس الحطب فوق رؤوسهن، يتظاهرن بأنك لا تمر قربهن، حتى لتحار إن كنت حقيقيا في عالمهن الغريب، لا يستجبن للأسئلة ولا يتموضعن لكاميرات السياح المفتونين بالعجيب والمغاير. تسابق راعية الماعز قطيعها الصغير على مرتفع شاهق وعر إلى بيت كأنه اجتث من خيال، وانتصب في قمة نهائية. الفاتنات السمر يتراكضن في حقول القات والقهوة وقد ارتدين قبعات عريضة من القش كأنهن بزغن من رواية لكاتب من أميركا اللاتينية. إحداهن التفتت إلينا وأشارت إلى كاميرا لتصوير وقالت قبل أن تنفر بعيدا: حرام..، ومضينا، كأن عصرا وثقافة مختلفة تحكم علاقتنا بالمكان.
دخلنا كوكبان، معقل الفن والأدب. من هذه البقعة خرج أبرز شعراء الفن الشعبي والعازفين وحملة التراث اليمني إلى الجزيرة العربية، وعند باب بيت تحول مطعما تجلس حميدة تستقبل الزوار وتوزعهم إلى الحجر إلى أن تجتاز أروى الشابة المقنعة إلا عن عيون بلون عسل اليمن، تحمل فوق رأسها الأطباق الشهيرة المخبازة والبسباس وبنت الصحن لتقدمها للجالسين، تجامل سريعا على خفر وتنسحب بدماثة هي دربة العاملات في المشاريع السياحية، يلحق أخوتنا اليمنيون غداءهم بجلسة القات، يتأملون، يذهبون بعيدا، وتغرق الحياة بتناقض غريب.
 كوكبان وما أدراك ما كوكبان، حيث المجالس كلها فن وفرح، يدور العود على الجالسين تباعا ليوقع كل جالس لحنا على الوتر ويشدو من كان صاحب صوت شجي، ولم أجد في الدنيا احتراما ومكانة للعود كما في كوكبان، وإذا كنا عرفنا الوقف يسخر للمشاريع الخيرية والإنسانية وربما التعليمية، فإن في هذه القرية وقف يدعى وقف العود، حيث يصرف ريعه على تعليم الصبيان أولادا وبناتا فن العود، كما يصرف على رواتب المعلمين وتجديد الأوتار وصيانة ذلك الإطار الخشبي الذي يتصل بالوجد.
لا يشبه هذا الوقف حتى أشهر وقف ثقافي في العالم، وأعني جائزة نوبل المرصودة للأدب والفن والسلام تكفيرا عن اختراع الديناميت، لكن جائزة كوكبان توزع على مجتمع كامل شيئا من الحساسية والفن، عبر تعلم الإيقاع على أشهر آلة موسيقية عربية. بين موجات الغيوم السارحة، يمكن استرجاع تلك الهجرات العربية التي خرجت من اليمن ليعمر العرب الدنيا، لعلهم حين خرجوا من فردوس المكان ارتطموا بالصحاري وغادروا الخضرة فجفت النفوس، وخشنت الطباع، ولكنهم عبر الحضارات المتعاقبة التي أقاموها اصطحبوا من قديمهم صوت الوتر، يهيج الروح ويهذبها ويذكر بالفردوس. وحدهم أهل كوكبان انسلخوا عن العصر وعانوا الفقر، وهم لا يعلمون ما يملكون…

سميحة خريس

عن(الرأي)-الأردن

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالاتهم | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “الأديبة الأردنية سميحة خريس تكتب :عن كوكبان وما أدراك ما كوكبان”

  1. بسم الله الرحمن الرحيم

    أود أن أقول لشخص الكريم الذي زار منطقتنا وتكلم بهذا الكلام أن بعض الكلام لا يعجب أهل هذه المنطقة ونحن رحبنا به كضيف سررنا بكلامة في بداية المقال وزعجنا في البعض الأخر من تحليله لمنطقتنا نتمنى أن لايكرر مثل بعض هذا القول ولك جزيل الشكر والتقدير .

    زملأك / محمد الحجاجي

    و / حسين شمس الولي .



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر