محوى الأخدام كما يسرده علي المقري

كتبهاعلي المقري ، في 18 سبتمبر 2009 الساعة: 10:51 ص

 

 

 

 

محمد العبّاس*

بوعي وقصدية، اختار علي المقري موضوع روايته (طعم أسود .. رائحة سوداء) الصادرة حديثاً عن دار الساقي، ولكن يبدو أن شخصياته الطافحة بالحياة هي التي قادته إلى الأقاصي، أي إلى حيث ينوء (الأخدام) بعذاباتهم واوجاعهم، فقد أراد من خلال تسليطه الضوء على تاريخ وواقع السود في اليمن، أن يدوّن سجلاً إجتماعياً يراكم في ثناياه ما أمكن من عاداتهم وتقاليدهم وأغانيهم وأمثالهم الشعبية، حتى صار أقرب إلى تقديم بحث أناسي أشبه ما يكون بالوثيقة الحقوقية الإجتماعية، منه إلى "تحبيك" ما جمعه من مادة اكزوتيكية ثرية وصادمة في قالب روائي عن شريحة بشرية تعيش تحت القاع الإجتماعي، أو خارج مقياس التراتبية الطبقية، لدرجة أن (سرور) الذي لم يتعب من البحث عن دور سياسي للأخدام، طالب بامتلاك حقهم بالعبودية "نحن لسنا عبيداً، العبيد أفضل منّا بكثير فهم أعلى منّا درجة" أو كما تم اختصار واقعهم البائس، وقسوة التمييز العنصري ضدهم في أغنية تتردد على الأفواه كحتمية إقصائية "لا يغرك حسن الأخدام .. النجاسة في العظام".
ويبدو أن استسلامه لممليات القاع الإجتماعي، بما هو مرجعية سوسيولوجية جامعة لأغلب الأعمال الإبداعية في اليمن، لم يجعل من ذاته الواعية تطفو على النص، حتى الإلتماعات الأيدلوجية المبثوثة في ثنايا النص، لم تجعل من حضوره فاقعاً، ولا ساطياً على شخصياته، وإن كان سرده الإخباري، يبين عن انحياز واحتفاء بتلك الفئة الاجتماعية المقهورة، كما يفصح عن دراية مبيّتة بأن إنتصاره لهذه الفئة المهمّشة، يمر عبر إعلاء النبرة الحقوقية، وتسجيل الإدانة ضد مفاعيل السلطة بكل تمثلاتها السياسية والدينية والاجتماعية، الأمر الذي يفسر انكتاب الرواية على خلفية أحداث سياسية عاش اليمنيون مخاضاتها بمرارة، كما يتبين من فصولها المعنونة بتواريخ ذات مغزى، كحركة (ابراهيم الحمدي) التصحيحية في 13 يونيو، حيث تم ربط الشخصيات المنتمية للأخدام بتلك الأحداث، كشخصية (رباش العبد) الذي تم استهلال الرواية بتبرئته من الخيانة في قاعة المحكمة إثر مفارقة توحيد شطري اليمن، وانقلاب مفاهيم وموازين الولاء والوطنية، الأمر الذي أسقطه في العدمية بعد خروجه من السجن، وكذلك شخصية (بهجة) إبنة إحدى القيادات الحزبية في عدن أيام علي سالم ربيع (سالمين) الذي رفع رؤوس الأخدام، حيث جاءت في مهمة ثورية سرية لتنظيمهم واستمالتهم لحركته، واختفت أو تمت تصفيتها في ظروف غامضة، يوم كانت الهتافات تتعالى " سالمين قدّام قدّام .. سالمين ما احناش أخدام"
هكذا وهب علي المقري لتلك الفئة المهمّشة لساناً عبر روايته، فقد تسيّد المكوّن اللغوي مجمل السرد، من خلال خصوصية قاموسية يمكن بواسطتها الاستدلال على الطبائع الروحية والخصائص المادية لهذا الفصيل البشري المنسي، حيث لعبة (السفِّير) ذات الطابع الجنسي، التي يتواطأ الرجال والنساء على التباري فيها لسرقة قسط من المتعة الجسدية المحرّمة، وحيث (الفساخ) الاسم التشفيري للخمر الذي يعقب طقس تخزين القات، وحيث (البُردُقان) أو الطحين التبغي الخاص الذي يؤخذ على شكل شمّات، كما يتم تعاطي كل تلك المتوالية الحياتية في محل تكدّسهم الاستثنائي (المحوى) كما عنونته (الدغلو) بكل اعتزاز لمضيفتها عنما سألتها عن اسم مدينتهم "نسميه محوى مش مدينة، محوى زين" بكل يحمله هذا الحاضن، من دلالات التناقض الحادة مع المدينة المحقّرة في خطاب الأخدام الذين "يسمون المدينة أمبو" وما يثيره هذا الملاذ من علامات التماثل مع الرحم الإجتماعي، أو المأوى بمعناه المتقشف، وكانت تقصد العشش وبيوت الصفيح والكرتون العشوائية في مستنقع (عصيفرة) رغم أن (الحرتوش) أسطورة المحوى الجنسية والسياسية، المتقمص لدور روبن هود، يرفض إطلاق صفة (أمبو) على المدينة، أو على كل من ليس بأسود، فمن مصلحة الأخدام، حسب اعتقاده السياسي "العمل من أجل نشر فكرة التعايش".
الكتب والدراسات تستعرضهم كتواريخ وأحداث، ولكن شخصيات علي المقري تمتلك من الحصانة التاريخية، ومن العناد النفسي ما يكفي للسخرية من الروايات بما تستنفذه من لحمها ودمها وكرامتها، وبما تختزنه من طاقة الدفاع عن آدميتها، فحسب استقصاءاته التي سجل بعضاً منها بما يشبه التقرير الصحفي، حيث أحال الرواية إلى مضخة معلوماتية، يرجعهم بعض الباحثين إلى أصول أفريقية. وقد جاؤوا إلى اليمن مع مجيء الأحباش الأثيوبيين، فيما ينسبهم البعض إلى أصول يمنية فهم أحفاد الحميريين القدماء. ويذهب آخرون إلى أن أصولهم هندية. وهناك من يقول بأنهم أسرى لجيش الملك سيف بن ذي يزن. وهي اجتهادات لا تعني (الأخدام) شيئاً، حيث يفند أكبر مثقفي المحوى (سرور) كل تلك الجدالات التي لا طائل من ورائها بعبارات تمتد بامتداد الرواية فيما يشبه أيدلوجيا الفقراء "ما يشتو لما يسألوا عن أصولنا. يشتو ترقيتنا من أخدام إلى ناس مثلهم. ما يكفيش أننا أخدام. لماذا لا يقرأون تاريخ أبي الطامي الملك جياش بن نجاح (المفيد في أخبار زبيد) أو (الحوليات السوداء) و (ما لم تقله الأخبار) و (كتاب الفنون). يقرأون ما يكتبون فقط ويبيدون تاريخ غيرهم … هذا كلام أمبو..هم يقولوا هذا..يختلفوا إذا كنا من أصول أفريقية أو يمنية..هل نحن من الإنس أم من الجن..خلقنا الله أم الشيطان..ليقولوا ما يقولوا..ليقولوا إننا خلقنا أو جئنا من جُحْر الحمار. هذا لا يهم. لانهتم إذا كنا من أصل الذهب أم من أصل الخرى".
لا يرافع علي المقري عن (الأخدام) بفجاجة خطاب سياسي محض، بل يطعّم لغته بجرعات اجتماعية ذات نفحة عاطفية، فيما يحتوي شخصياته وسرده داخل حاضن إنساني، وإن كانت روايته تأخذ أحياناً شكل العريضة الحقوقية، وتكاد أن تطمس دوره كسارد، فهو من موقعه كشاهد يبدي الكثير من التعاطف مع قضيتهم الأزلية، ويحاول كروائي استثمار غضبتهم الطبقية وتعاساتهم اليومية من خلال، التذكير بالنعرات الإجتماعية والدينية بالاضافة إلى القهر السياسي الموجّه ضدهم، فعندما تقدم (سرور) لإمامة المصلين تمت تنحيته على إيقاع عبارة جارحة "أعوذ بالله آخر الزمان يؤم بنا خادم" وعلى إثر تلك الحادثة تتوالى العبارات التبخيسية داخل السرد، المحقونة بوحدات كلامية جاهزة مستلة من قاموس التخاطب الاجتماعي، مهمتها الإبقاء على دونية (الأخدام) في السلم الاجتماعي "من صاحب الخادم أصبح نادم" والتبرؤ منه حتى على المستوى الطهر الديني "أغسل بعد الكلب واكسر بعد الخادم".
ولا يكتفي بفضح مضهديهم بل يذهب إلى إقامة شاهد قبر عريض يتسع لأسماء كل الذين قضوا من (المحوى) نتيجة ظلم أو إهمال، حيث توفي (عائش) في السجن فور إبلاغه بتاريخ تنفيذ حكم إعدامه، كما تم رجم (بنت المزين) نتيجة حملها سفاحاً من طفل كانت ترعاه. وفيما ماتت إبنة العاشرة (كاذية بنت المسفوح) في عشتها بعد سعال دام لأشهر، مات الطفل الذي لم يتجاوز الثامنة (ابن شموس) بعد أن بقي يبول دماً لمدة أسبوعين، مثله مثله الطفل (عبده عيشة) الذي فجع المحوى كله بوفاته المحزنة فقررت أمه أن تحبل في وقت قياسي وكأنها تقاوم – بوعي أو لاوعي – انقراض سلالة (الأخدام) والاحتجاج على منطق الجنائز المتنقلة ببهجات الميلاد. أما من ينجو من الموت فقدره لا يقل ماساوية حيث يتعرض (علّوش) السجين الذي لم يتعد العاشرة من عمره للاعتداء الجنسي، وهكذا تزدحم الرواية بمشاهد الموت اليومي العبثي، وانتهاك كرامة إبناء المحوى سجناً وتشريداً، المنذورين لمهمات مهنية وخدمية مذلّة، تتأفف بقية الشرائح والطبقات الاجتماعية عن أدائها.
حتى الحب يمكن أن يموت إذا ما فكر أحد سكان "محوى الزين" بمغادرته، إذ لا أمان مع (الآخر) فالمجتمع يعيش حالة نفاقية جارحة، ولا سبيل للتخفيف من فكرته المتأصلة حول التمايز الطبقي، أما السلطة فمتجبّرة ولا حد لقهرها، وهو المآل الذي تحدثت عنه (الدغلو) حيث تم انتهاكها جسداً وروحاً، بواسطة ضباط من الشرطة، كما روته بعبارات حزينة وهي تؤوب منكسرة إلى محواها بحثاً عن الأمان "راقبوني هذه المّرة، وكانوا ثلاثة ضبّاط. دعوني لأركب معهم السيارة التي تحمل رقماً حكومياً. رفضت، وظلوا يلاحقونني، حتى قفز أحدهم، وسحبني إلى داخل السيارة، التي مضت بي في طريق مجهول. بعد مسافة طويلة، في واد أخضر، تركوا السيارة جانباً، وقاموا باغتصابي. كلّما قاومت يضربونني، ولم يتركوني إلاّ بعد أن أهلكوني، ووضعوني في طرف المدينة. بقيت جثّة هامدة بدون حركة، إلى أن عادت لي الرُّوح وتلمست طريق المحوى".
وربما لهذا السبب بالتحديد تعمّد علي المقري إبراز خطابهم اللغوي الذي يختزن رغبتهم في الوجود، وحقهم في الحياة، وربما بالغ في الإتكاء عليه، بما هو المدخل لوعي طبيعة حياة هذه الفئة البشرية، والتوغل بشفافية داخل عوالمهم، حيث القاموس الجنسي الفاضح، والمفردات السافرة، فالكائنات التي يلهج لسانها بعبارات مثل "ما فيش مَرَه بالت من طاقة" لا يبدو أنها تمتلك وراء خبراتها اللغوية الفجة ما يسترها ملبساً، ولا ما يأويها مسكناً، فكل يوميات سكان (المحوى) وحميمياتهم مكشوفة، أو هكذا يبدو تقديم الشخصيات ككائنات قدرية، على درجة من العري النفسي والجسدي، حيث الاستيقاظ في الصباح على "خرير بول عيشة ورائحة برازها النفاذة" فذلك هو واقع تلك الذوات المقهورة، الممرغة في الوحل، والمحرومة من الرغبات في حدها الأدنى، بدون رتوش ولا تزييف، الأمر الذي يفسر إنحياد السرد إلى ما يمكن اعتباره (إنتقام اللون) حيث عبارات الإعتداد بالسواد تتكرر بخطابية فارطة على لسان أغلب الشخصيات، كما عبرت عن ذلك (بهجة) بنبرة إباء لا تخلو من حس انكسار مستبطن " نشتي من يحترمنا كما نحن. يحترم ثقافتنا. يحترم لوننا. طعمنا الأسود. رائحتنا السوداء".
هكذا تم استعراض أجساد تلك الحيوات المضهدة طافحة بفتنة اللون الأسود، وعبق الرائحة السوداء التي تستفز الحواس، كما تمثلت في جميلة المحوى (جمعة) الفرّاشة التي أغرت الدكتور القادم من خارج (المحوى) فرقاها إلى مساعدة ثم تزوجها، وكأن التاريخ يمكن أن يبطء، لكنه لا يتوقف، لينصف أولئك المنسيين، الذين تم اختراق محواهم بالغرباء، وضرورات السوق، حتى صار ذلك الغيتو في نهاية الرواية عرضة للاجتياح والتبدّل، وكأن علي المقري قد آثر في النهاية تغليب الحكاية، وإعادة تدوير السرد كقصة، عوضاً عن الإكتفاء باستعراض لوحة بانورامية لعذابات فئة بشرية، لدرجة أن (سرور) اقترح أن يتم تحنيط نموذج من (الأخدام) والتلويح به من خلف الزجاج في متحف، وترك ماتبقى منهم يتفسخون أو ينقرضون، كشاهد على جريرة عنصرية تاريخية.
ويبدو أن طقس العتمة ذاك قد تم اختراقه ببصيص من الضوء، فمن بين ركام (المحوى) كانت تتبرعم حكايات حب، إذ لا يخلو من البهجة والجاذبية المصممة بمزاج الفقراء، كما تفصح عن ذلك استراتيجية النص، حيث قدم علي المقري نموذجاً أنثوياً مغوياً تمثّل في شخصية (شمعة) الفائضة بالجنس، التي أعطاها (الحرتوش) فرصة اختبار لذتها مع آخرين، فيما يبدو إتكاء قصدياً على السواد كمكوّن عرقي، أريد معادلته بالفعل الجنسي، الذي تم توظيفه كمضاد وجودي للموت، ففعل الحب الذي انكتبت على خلفيته حكاية (عبدالرحمن) الذي نسي اسمه مع مرور الوقت وصار لقبه المستعار (أمبو) مع رمزية المحوى (الدغلو) لا يتم في الخفاء، بل بدراية الجميع، حيث يستمتع كل أبناء (المحوى) بالإفصاح عن وجعهم المشترك، ومشاعية الألم واللذة، أو تلك هي طريقتهم للإمتاع والاستمتاع، كما اختصرت (عيشة) حس التفرج السافر ذاك في عباراتها التحريضية لأمبو ناحية جسد الدغلو " إبزي من صاحبتك اللي اسمها". وكأنها ترفع لافتة وإرادة الحياة مقابل شبح الموت، في حين كان المغني (العصفور) يعزف على المزمار لحن خلود (المحوى) فيما يضبط أخوه (الزناط) إيقاع البهجة الناقصة على الطبلة، وتصاحبهما زوجته (نهود) وابنته (فارعة) بالغناء والرقص "يا فاتني .. اليوم يوم الخميس.. يا فاتني إعذب إبليس .. فك زِرارَ القميص".

*كاتب وناقد من السعودية
الاقتصادية – الثلاثاء 18 نوفمبر & 30 ديسمبر 2008
 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : طعم أسود.. رائحة سوداء | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر