حضرموت ..أشياء لا يمكن وصفها
كتبهاعلي المقري ، في 20 يونيو 2007 الساعة: 23:10 م
لم أستطع أثناء زيارتي الأخيرة إلى (دمون الهجرين) مع قافلة إتحاد الأدباء والكتاب فرع صنعاء، أن أجد شاهدا واحدا يؤكد لي أن أمرءا القيس عاش هنا ذات يوم ، وكانت له حياة صاخبة قضاها في اللهو والمجون.
في مهرجان الأدب الذي عقد في سيئون والمكلا عام 2003 كانت لنا زيارة أولى للمنطقة التي رددنا ونحن نتفحص هالة جبالها وتعرّج وديانها قول أمريء القيس:
((تطاول الليل علينا دمون دمون إنا معشر يمانون
وإننا لأهلنا محبون)).
أما قوله:
كأني لم ألهو بدمون مرّة ولم أشهد الغارات يوما بعندل
فكان مؤشر توكيدي شعري على حياة ما عاشها المليك الضلِّيل هنا حيث ربعه القديم الذي أراد أبوه أن يرسله إليه ليتعلّم الأصول، أي أصول.
وقد أخذنا زملاء لنا إلى مقربة من جبل عتيد ومهول قالوا أنه (صيلع) ، فحضر أمروء القيس بقوله:
أتاني وأصحابي على رأس صيلع حديث أطار النوم عني وأنعما.
وكان ذلك بعد أن وصله نبأ مقتل أبيه حيث قال ((ضيعني صغيرا وحملني دمه كبيرا؛ لا صحو اليوم ولا سكر غدا، اليوم خمر وغدا أمر))، وقيل أنه شرب سبعة أيام بدمون حتى أفاق من هول النبأ.
في الزيارة الأخيرة انتابني سؤال ملح إذا ما كان أمروء القيس مجرّد شخصية مخترعة في التاريخ رواها مؤلف جدير بابتداع الرواية والشعر.؟
ففي واقع يميل عمقا إلى البداوة الضاربة في جذر أخلاقي محافظ ،كما هو حال دمون الهجرين، لا يمكن لك إلاّ أن تشكك إذا كانت هذه الأمكنة قد شهدت كؤوس أمريء القيس وهي تدار مع صخب أنثوي يسوسه أمير كندة بمراوغته وحذق مهارته؟.
ولأن الزائر لن يجد شظايا لبقايا كؤوس ، ولو حجرية، أو روائح معتقة في ذاكرة الزمن تناسلت في الحال المعاش حاضرا ، فإن من الصعب القول أن المليك الضليل كان هنا.على الأرجح،أنه مر.
ربما مر في نهار يتيم ، أو نام مضطرا ذات ليلة ، لكنه لا يمكن له أن يكون قد عاش إلاّ في مكان آخر.
لهذا ذهبنا إلى دمون الهجرين لنتناول الغداء قي إحدى البيوت ، ولم يكن البحث عن أثر لأمريء القيس في المنطقة موضوع اهتمام من أحدنا ، ولو في مستوى السؤال . لقد اكتفى الجميع بسماع إشارة عابرة ،على هامش الغذاء، إلى علاقة ما تربط أمريء القيس بالمنطقة، وعدنا بدون أن نتحقق من مكان دمون وعلاقتها بقيدون ، كما لم نر جبل صيلع وسواقيه.
هل يختصر الحديث عن أمريء القيس الزيارة إلى حضرموت؟.
هناك شعر آخر ، ليس بالضرورة أن يكون منجزه شهيرا كأمريء القيس.
هناك شعر طريّ وحار ، نجده في أغاني أهل سيئون الميّالة إلى رقصات التأمل المنسابة كحرير على الجسد الحضرمي ، وفي قسمات أجساد النساء اللواتي يسكبن لوعاتهن على ساحل المكلا مع غروب كل شمس ، ثم يرجعن ليبحثن عن لوعة أخرى تذكرهن بأنوثتهن ، ولو ذكرى فحسب.
هناك شعر مبني من طين الأرض وخضرة القلب ويبدو دهشة في بيوت تطل على فراغ شاهق ، في بيوت محجّبة بالأساطير تندي باردة في الحر، وتشهق حارّة في البرد ، كأنها بيوت العسل الدوعني ، أوأنها العسل ذاته.
هناك شعر ، لم يقله أمروء القيس ، تجده مخبئا في كلام الأطفال عن مئذنة المحضار والله ،وفي تلصص الصبايا عن مفردات غزل شاردة من فم شاعر شعبي أسمه أحمد سليمان.
هناك شعر في الرقص وفي الحياة والموت ، وهناك ما لا يمكن وصفه أو البوح به ، كما هناك ما يمكن وصفه ولا يمكن البوح به. وما يتم البوح به ، عادة،هو عن أشياء لا يمكن وصفها.
تذهب إلى حضرموت ومفردات القاموس السبأي والحميري ترافقك كظل في التاريخ ، لهذا لن تستغرب وجود تسميات مشابهة لأسماء أخرى في أقصى الشمال كشبام وثلا والهجر..
هكذا، بعد كل الذي حدث، لم تعد أحلام الدويلات القديمة ممكنة التحقق في الإندماج حينا والانفصال حينا آخر ، فالتحول الديموغرافي الجديد صار هو ملمح المدينة وعنوانها ،حيث لا يمكن لهذه المدينة، كما يبدو لي، أن تغلق أبوابها في وجه الآخرين الذين هم بعض حاجتها وهويّتها الجديدة.
هناك شعر تتلمسه وأنت تتبع سطور التاريخ ،وتندهش لتشابه الأحداث والوقائع ،مع فارق في الألم حينا والبهجة حينا آخر.
كان يمكن أن نكتشف شعرا آخر ،لو قادنا محمد القعود رئيس القافلة في فصل ليس حارا ويتناسب مع طقس حضرموت.
كان يمكن حينها أن نسأل عن أمريء القيس، ونكّون معه شكلا من الصداقة ؛ نتناول معه و
جبة الغذاء بدون فزع حار
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات ومراجعات | السمات:مقالات ومراجعات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























نوفمبر 4th, 2008 at 4 نوفمبر 2008 10:29 م
مره اعجنى موضوعك جدا وانا من اشد المعجبين فى امروء القيس
أغسطس 11th, 2009 at 11 أغسطس 2009 9:00 ص
يعطيك الف عافيه بس عندي استفسار بسيط امرؤ القيس هو يمني لان بعض الاخوان في المملكه يدعون بانه سعودي كما نسبو بعض الاخوان في البحرين نسب يحيى عمر انه من البحرين ولك خالص تقديري