"الـخـــــمــر والـنـــــبــــيــذ فـي الإســـــلام" لـعــــلـي الـمــقـــــري:

كتبهاعلي المقري ، في 22 نوفمبر 2007 الساعة: 17:10 م

 

 

 

 

 

 

 

 

 نحو قراءة ثانية

*ميلود بن غربي     

يتناول الشاعر والباحث اليمني علي المقري في مؤلفه "الخمر والنبيذ في الإسلام" الصادر أخيراً لدى "دار رياض الريس"، موضوع الخمر كمشكلة ثقافية، وهو ما يساهم بحسب رأيه في نقد الخطاب الاسلامي لجماعات احتكرت حق إنتقاء النصوص الأحادية من التراث الإسلامي لاصدار أحكامها، ويساهم من ناحية اخرى، في طرح فكرة الدعوة الى ابتكار القوانين المعاصرة التي تلبّي حاجة المجتمع دون الإتكاء على مقولات الحرام والحلال المتضاربة عند السلف، وهذا ما تفعله حالياً أكثر بلدان العالم بإصدار قوانين تنظم الحياة الاجتماعية، ومن ذلك صناعة الخمور والنبيذ وشربها.
يفرّق علي المقري بين الخمر والنبيذ، فيعتبر ان النبيذ سمّي بهذا الاسم "لأن الذي يتخذه يأخذ تمراً او زبيباً فينبذه في وعاء أو سقاء عليه الماء ويتركه حتى يفور فيصير مسكرا. وهو يُعمل من الأشربة من التمر والزبيب والعسل والحنطة والشعير وغير ذلك"، اما الخمر فهي "ما أسكر من عصير العنب لأنها خامرت العقل"، "والعرب تسمي العنب خمراً لكونها منه، وهي لغة يمانية". وهناك اسم "وين"، للعنب الأسود ومنها wine الانكليزية. وقد استقطر الكيميائيون في العصور الاسلامية "مادة كالخمر سميت الغول، والغول في اللغة هو كل ما غال العقل، اي ذهب به. وقد انتقلت هذه المادة باسمها العربي الى اللغات الأوروبية، ثم عادت الينا في صيغة الكحول".
ارتبطت الخمر في ثقافة العصور القديمة بشجرة الكرمة، وجاء في المراجع الدينية القديمة أن نوحاً لما غرس الكرمة جاء إبليس فنفخ فيها فيبست فاغتمّ نوح لذلك، وجلس يفكر في أمرها، فجاءه ابليس وسأله عن تفكيره فأخبره، فذبح أسداً ودباً ونمراً وإبن آوى وكلباً وثعلباً وديكا وصبّ دماءها في أصل الكرمة، فاخضرّت من ساعتها، وحملت سبعة ألوان من العنب وكانت قبل ذلك تحمل لوناً واحداً. من اجل ذلك يصير شارب الخمر شجاعاً كالأسد وقوياً كالدب، وغضوباً كالنمر، ومحدثاً كإبن آوى، ومقاتلا كالكلب، ومتملقاً كالثعلب، ومصوتاً كالديك، فحرمت الخمر على قوم نوح.
أما في الإسلام فلم يحدد النبي محمد في بداية نشر الاسلام موقفه من شرب الخمر، ولو كان ما جاء به الاسلام هو النهي عن شرب الخمر لقالوا لا ندع الخمر أبداً. ويرجع ذلك الى انتشار تجارة الخمر وشربها في مكة والحجاز في ذلك العهد. وظل المسلمون المعتادون شرب الخمر قبل الإسلام يشربونها ويتاجرون بها بعده ويصطحبونها في غزواتهم ومعاركهم. وتورد كتب السيرة والمصادر، أن القرآن مدح في البداية مصادر الخمر، وأغرى المؤمنين بشراب خاص في الجنة. وبعدما سأل المسلمون النبي محمد في المدينة المنورة عن الخمر جاءت الآية "يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس… وإثمهما اكبر من نفعهما". وكانت هذه الآية بياناً لنفع الخمر وضررها ولم تتضمن أي حكم آخر، لهذا تركها قوم وشربها قوم.
ثم حدث أن شربت جماعة من الصحابة عند عبد الرحمن بن عوف حتى أدركتهم الصلاة فأمّها احد الصحابة، فقرأ "قل يا ايها الكافرون لا أعبد ما تعبدون" الى آخر السورة بحذف "لا" فنهاهم القرآن عن الصلاة في حال السكر: "يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى، حتى تعلمون ما تقولون". وتعامل المسلمون مع هذه الآية كسابقتها فترك الخمر بعضهم وشربها البعض الآخر في غير أوقات الصلاة. وكادت حوادث، بعد هذه الآية، ناجمة عن السكر، أن تؤدي الى متاعب سياسية، فقد شرب الخمر رجل من المسلمين فجعل ينوح على قتلى بدر، فبلغ ذلك النبي محمد "فجاء فزعاً يجتر رداءه حتى انتهى اليه، ورفع شنّاً كان في يده ليضربه، فلما عاينه الرجل قال: أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله، والله لا أطعمها أبداً". وفي حلقة شرب "سكر رجال من الوس والخزرج فتذكروا أيامهم الدامية قبل الإسلام وتناشدوا الاشعار التي قيلت في تلك الأيام، وتطور الحال الى عراك اوشك أن يثير فتنة بين القبيلتين المتصارعتين في الماضي. وفي حلقة اخرى "شرب سعد بن أبي وقاص مع بعض الأنصار فتفاخروا وتناشدوا الأشعار، وأنشد سعد شعراً فيه هجاء للأنصار وفخر لقومه فضرب أنصاريّ رأس سعد فشجّه".
أدت هذه الوقائع وغيرها الى قلق النبي ودفعت قادة المسلمين الى التفكير في ايجاد حل، فجاءت الآيتان اللتان تدعوان الى اجتناب شرب الخمر: "يا أيها الذين آمنوا انما  الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون، إنما يريد الشيطان ان يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون". يرى بعض الفقهاء أن ما جاء في الآيتين، ويمكن ان يفهم قوله "فاجتنبوه لعلكم تفلحون"، على انه تحبيذ للإمتناع عن شرب الخمر روعيت فيه الاعتبارات الشخصية للفرد.
يؤكد المقري أن المحرمات في القرآن تكون جازمة إذا اقترنت باحدى حالتين: أن ينطق بلفظ التحريم صراحة، كما في تحريم الدم والخنزير والميتة وزواج المحارم، أو ان يتضمن الفعل المحرم عقوبة على مرتكبيه كما في عقوبة الزاني والسارق والقاتل. لم تذكر آية الخمر لفظ التحريم كما لم تتضمن عقوبة لشاربه، ولا يخلو ذلك من دلالة، ولا سيما في ضوء السياق المتدرج الذي انتهى اليه الأمر باجتناب الشرب، مما يدل في حد ذاته على التردد في التحريم. يؤيد هذا الرأي ان هناك آية اخرى "قل لا أجد في ما أوحى اليّ محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة او دماً مسفوحا او لحم خنزير"، وهي من أواخر الأيام التي جاءت في القرآن، مما يفيد بأن تسامحاً قد حصل بالنسبة الى الموقف من الخمر بعد الآية التي دعت الى اجتنابه، او ان ظروفاً اجتماعية وسياسية خاصة بحياة المسلمين وعلاقتهم بغيرهم من اليهود والمسيحيين أدت الى عدم التشديد في الدعوة الى اجتناب الخمر بل وعدم إدراجه بين الأطعمة المحرمة التي وردت في هذه الآية. وإذا كان القرآن لم يتضمن عقوبة على شارب الخمر، فإن مصادر الحديث والسيرة لم تورد وقائع موثقة يستفاد منها تشريع عقوبة لشارب الخمر في زمن النبي، وان الصحابة قد عملوا بآرائهم أموراً لم يكن لها ذكر في الكتاب والسنة، كحد الخمر فإنهم عملوه اجتهاداً، ولم يحد الرسول شاربها الجم الغفير في زمانه بعد نزول آية اجتناب الخمر.
تفنن العرب والمسلمون في تقنية صناعة الخمور وشربها بحسب علي المقري واستخدموها كذلك في العلاج والتداوي، كما أن التراث النثري والشعري يثبت مدى انتشارها، واتفقت اكثر المراجع التاريخية والدراسات في تقديم صورة واحدة حول ذلك الانتشار في المجتمعين الاموي والعباسي الى درجة ان القارئ قد يظنها كتابات خيالية، وذلك لما تحمله هذه المراجع من سرد لحياة اللهو والرفاه الاقتصادي بشكل قد لا يتفق مع التصور السائد لدى المسلم المعاصر لسلفه
القديم.

* كاتب جزائري

    عن(النهار) اللبنانية

  http://www.annahar.com/content.php?priority=3&table=adab&type=adab&day=Sat

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : الخمر والنبيذ | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر